اليمن: تزايد سيطرة الحوثيين يهدد الأمن البحري الدولي بتشابك مع شبكات إجرامية

اليمن: تزايد سيطرة الحوثيين يهدد الأمن البحري الدولي بتشابك مع شبكات إجرامية
مشاركة الخبر:

تتجاوز المخاطر الناجمة عن توسع سيطرة مليشيا الحوثي الاررهابية على الساحل اليمني قدرتها على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لتشمل تهديداً بيئة بحرية دولية حساسة، حيث تتقاطع طرق التجارة العالمية مع شبكات تهريب السلاح والبشر والجماعات المسلحة والقرصنة الممتدة بين اليمن والقرن الأفريقي.

لم يعد السؤال مقتصراً على قدرة الحوثيين على استهداف السفن العابرة لمضيق باب المندب، بل يتعداه إلى ما يمكن أن يحدث عند التقاء السيطرة المسلحة المتزايدة على الساحل اليمني مع شبكات قائمة بالفعل على الجانب الآخر من خليج عدن. وقد وثقت تقارير متتالية لخبراء مجلس الأمن على مدى العامين الماضيين تطور العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، بما يشمل تهريب الأسلحة، وتدريب المقاتلين، وانتقال الأفراد، ونقل الخبرات المتعلقة بالعبوات الناسفة والطائرات المسيرة.

تتزايد أهمية هذه المعطيات مع التحول العسكري الأخير على الساحل الغربي لليمن. ففي سبتمبر 2026، صرح مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، خالد خياري، أمام مجلس الأمن بأن الوضع حول باب المندب أصبح "متقلباً بصورة متزايدة"، وأن القتال اشتد مع تقدم الحوثيين باتجاه المضيق وسيطرتهم على عدة جزر في جنوب البحر الأحمر. هذه التطورات لا تعني بالضرورة نشوء تحالف مباشر، لكنها تغير البيئة الأمنية جذرياً، إذ أن اتساع السيطرة على السواحل والجزر يعني اقتراب جماعة مسلحة تمتلك قدرات صاروخية ومسيرة وخبرة بحرية من طرق تهريب تاريخية تربط اليمن بالصومال والقرن الأفريقي.

تكشف تقارير خبراء مجلس الأمن عن زيادة في أنشطة التعاون والتهريب بين الحوثيين وحركة الشباب، بما في ذلك تحقيق يتعلق بتهريب أسلحة من اليمن إلى الصومال، ومصادرة أسلحة ومتفجرات، وشبكات تهريب تعمل بين ضفتي خليج عدن. لكن التطور الأخطر يتمثل في انتقال المعرفة العسكرية، حيث وثقت تقارير تدريب الحوثيين لعناصر من حركة الشباب على تصنيع العبوات الناسفة المتطورة واستخدام تقنيات الطائرات المسيرة. كما أشارت تقارير إلى انتقال مهندسين عسكريين حوثيين إلى الصومال لتدريب عناصر من الحركة على صناعة العبوات وتعديل المسيرات وصيانة الأسلحة، بالإضافة إلى تسهيل انتقال مئات الصوماليين إلى مناطق سيطرة الحوثيين للحصول على تدريب عسكري وأيديولوجي. هذا التحول يعني أن المسألة لم تعد تقتصر على تهريب الأسلحة، بل امتدت لتشمل نقل الخبرات التي يمكن أن تعزز قدرات الجماعات المسلحة لسنوات.

يشير تقرير آخر لفريق خبراء مجلس الأمن إلى أن حركة الشباب أرسلت مقاتلين إلى اليمن للحصول على تدريب على الأسلحة والعبوات الناسفة، مما يكشف عن بنية لوجستية معقدة سمحت بتنقل المقاتلين عبر البحر، جاعلة من البحر نفسه جزءاً من شبكة التدريب والتسليح. وتتجاوز التنسيقات الحوثية الأطراف التقليدية لتشمل "لجان التنسيق الإفريقية" التي تضم حركة الشباب وغيرها من المجموعات المسلحة، حيث تقوم العلاقة على تبادل المنافع بتقديم الحوثيين الدعم العسكري مقابل المال، مستفيدين من ثراء حركة الشباب المالي وقدرات الحوثيين التسليحية والتدريبية. ويحذر من سيناريو نقل المعركة إلى الساحل الأفريقي، حيث يمكن للحوثيين تزويد حركة الشباب بطائرات مسيرة لاستهداف السفن التجارية التي تسلك طريق رأس الرجاء الصالح كبديل للبحر الأحمر.

تصف تقارير مجلس الأمن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب بأنها "تعاملية أو انتهازية وليست أيديولوجية"، حيث طلبت حركة الشباب أسلحة أكثر تطوراً وتدريباً مقابل زيادة أنشطة القرصنة في خليج عدن واستهداف سفن الشحن. يربط هذا بين الجماعات المسلحة، والسلاح، والقرصنة، مما يشير إلى أن فكرة توظيف القرصنة ضمن علاقة تبادل مصالح قد ظهرت بالفعل. وتتزامن هذه التطورات مع عودة قوية للقرصنة في البحر الأحمر وخليج عدن خلال عام 2026، حيث سجلت حوادث ومحاولات قرصنة متعددة، مع احتجاز سفن وبحارة. يرى الباحثون أن القرصنة الحالية تعمل ضمن بيئة بحرية تتداخل فيها شبكات المهربين والجماعات المسلحة وطرق التجارة غير المشروعة، مما يجعلها أكثر تعقيداً من الظاهرة السابقة.

لا يتطلب الخطر وجود غرفة عمليات مشتركة، بل يكفي تقارب المصالح واستخدام الوسطاء ذاتهم، ومراكب التهريب، وطرق التمويل والمرافئ غير الرسمية. يمكن لمهرب سلاح أن ينقل شحنة لجماعة مسلحة، ثم مقاتلين في رحلة أخرى، ويمكن للقراصنة شراء السلاح عبر الشبكات نفسها التي تستخدمها الجماعات المسلحة. هذا التقارب، وليس التحالف الموحد، هو ما يشكل الخطر الحقيقي، حيث أصبحت البيئة تسمح بتبادل الخدمات: السلاح مقابل المال، التدريب مقابل التسهيلات، والممرات البحرية مقابل النفوذ. إن التقدم الحوثي نحو باب المندب يمنحهم خيارات أوسع في تشغيل الموانئ الصغيرة، ومراقبة الحركة البحرية، ونقل المعدات والأفراد، مما يزيد من حساسية الوضع، خاصة وأن حركة السلاح بين اليمن والصومال ليست جديدة.

يصبح الخطر المحتمل هو ظهور سوق أمنية سوداء عابرة للحدود، حيث يوفر طرف السلاح، وآخر التدريب، وثالث القوارب والممرات، بينما توفر شبكات الجريمة التمويل والنقل. إن قياس الخطر فقط بعدد السفن التي يمكن استهدافها يعطي صورة ناقصة، فباب المندب ليس خط تماس داخلياً، بل بوابة جنوبية للبحر الأحمر، والسيطرة المسلحة عليه تمنح نفوذاً يتجاوز حدود اليمن. لا تكفي التطمينات المرحلية، فالمشكلة تكمن في ما يُبنى على الأرض للمستقبل. وتحذر تقارير الأمم المتحدة من مخاطر تحذر منها، تتحدث عن السلاح والتهريب والتدريب وانتقال المقاتلين والاتصالات مع حركة الشباب، مما يشكل تهديداً هجيناً يجمع بين القرصنة والإرهاب وتهريب السلاح، ويمتد بين القرن الأفريقي وساحل يمني تسيطر عليه جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة، مما يجعل القضية أمن بحري دولي تمتد آثاره من المحيط الهندي إلى قناة السويس.