دماء على طريق الجمهورية.

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم تكن الجمهورية اليمنية مجرد حدث سياسي هامشي أو انتقال سلس في نظام الحكم، بل كانت ولادة قيصرية عسيرة تعمدت بالدماء الغزيرة والتضحيات الجسيمة التي هزت وجدان الأمة العربية بأسرها. ففي صبيحة 26 سبتمبر 1962، فجّر الأحرار اليمنيون ثورتهم المباركة ليحطموا أغلال نظام إمامي كهنوتي استبدادي، فرض على الشعب عزلة قاتلة وثالوثاً مدمراً من الفقر والجهل والمرض، محولاً أرض اليمن السعيد إلى سجن كبير يرزح فيه الإنسان تحت وطأة العبودية والظلم. ولم تكن هذه المعركة تخص اليمن وحده، بل كانت معركة كرامة وحرية وقفت فيها مصر العروبة بكل ثقلها القومي والعسكري إلى جانب الجمهورية الوليدة، مضحيةً بخيرة رجالها وأبنائها الذين تركوا ديارهم ليلبوا نداء الواجب، فاختلطت دماؤهم الزكية بالدماء اليمنية على سفاح الجبال الوعرة وفي بطون الأودية السحيقة، لتخوض القوات المشتركة معارك مصيرية امتدت لسنوات في حرض وصعدة ومأرب وصنعاء، صانعةً بذلك رابطة مقدسة ومعمودية دم وفداء لا يمكن للتاريخ العادل أن يمحوها من الذاكرة.
إن هذه التضحيات الأسطورية التي قدمها أبناء الشعب اليمني وأبناء مصر الأوفياء من أجل انتزاع حريتنا وتثبيت أركان جمهوريتنا، تقف اليوم شاهدةً على حجم الفاجعة والنكران الذي نعيشه في واقعنا المعاصر، حيث يندى الجبين خجلاً أمام هذا الجحود الصارخ لتلك الدماء الطاهرة، ونحن نرى أجزاءً من شعبنا تساق اليوم مجدداً للقتال تحت راية "سيد الكهف" الحوثي الدخيل على هويتنا وثقافتنا. إنه ارتداد كارثي ونكوص غير مبرر نحو قاع الكهنوت وسلالة الماضي المظلم، بهدف إعادة نظام الإمامة البائد الذي ثار ضده آباؤنا؛ وكأننا نختار طواعية العودة إلى مربع الفقر والجوع والجهل والعبودية، والانخراط في معارك عبثية لا نهاية لها، وحروب دموية تمزق النسيج الاجتماعي لتسليم رقابنا لحاكم مستبد يحكم بالحديد والنار ويعتاش على أشلاء الأبرياء. إن هذا التنكر الفج لمكتسبات ثورة سبتمبر المجيدة وتضحيات الشهداء الأبرار يمثل خيانة حقيقية للتاريخ وللأجيال القادمة، فلا يجعلوا التاريخ بلا ذاكرة، ولا تسمحوا للكهنوت الجديد بأن يسرق وعيكم ويعيدكم إلى عهد العبيد، بل تذكروا دائماً أن طريق الجمهورية كان معبداً بأغلى الدماء لكي نعيش أحراراً، وأن الحفاظ عليها هو الوفاء الوحيد لتلك الأرواح التي وهبتنا الحياة والكرامة.
إن مواجهة هذا الفكر الكهنوتي المتربص بوعي الأجيال تتطلب أولاً وقوف شباب اليمن اليوم أمام مرآة التاريخ، ليدركوا حجم الجريمة التي تُرتكب بحق مستقبلكم عندما تُساقون إلى حتوفكم دفاعاً عن خرافة الولاية والحق الإلهي المزعوم. كيف لشابٍ نبت في عصر الفضاء والمعلومات والتكنولوجيا أن يرهن عقله وحريته لـ"سيد كهف" يرى في بقية الشعب مجرد عبيد ورعايا خُلقوا لخدمة سلالته؟ إن الرسالة الحقيقية التي يجب أن يعيها كل شاب يمني اليوم هي أن معركتكم الأساسية ليست معارك التوسع الإيراني العبثية، بل هي معركة الوعي والعلم، معركة استعادة كرامتكم المصادرة، ورفض الخنوع لمن يريد استبدال المدارس والجامعات بمتارس الموت ومقابر الأطفال. إن المستقبل يُبنى  بالعقول الحرة التي ترفض الاستعباد وتدرك أن المواطنة المتساوية هي أساس الدولة الحديثة، وأن أي مشروع يحصر السلطة والثروة في عرق أو سلالة هو مشروع ساقط لا محالة أمام إرادة الشعوب التواقة للحرية.
ولكي يستقيم هذا الوعي، لا بد من إحياء الذاكرة الوطنية ببطولات الرواد الأوائل؛ أولئك الأحرار الذين لم يترددوا لحظة واحدة في بذل أرواحهم الرخيصة لتشرق شمس السادس والعشرين من سبتمبر. تذكروا البطل علي عبد المغني، مهندس الثورة وعقلها المدبر، الذي قدم روحه في ريعان شبابه مقبلاً غير مدبر لحماية الجمهورية الوليدة، وتذكروا الملازم محمد مفرح وغيرهم من الضباط الأحرار الذين قادوا الهجوم على قصر البشائر ليدكوا معاقل الطغيان. هؤلاء الأبطال، ومعهم إخوتهم من أبطال الجيش المصري مثل العميد نبيل الوقاد الذي روت دماؤه تراب صعدة، لم يقاتلوا من أجل مغانم شخصية أو مناصب زائلة، بل قاتلوا لتنزعوا أنتم غلالة الذل والجهل عن عيونكم. إن تذكر هذه البطولات والقصص الملهمة هو السلاح الأقوى في مواجهة التزييف الحوثي الممنهج للتاريخ، وهي البوصلة التي يجب أن تهتدي بها الأجيال لتدرك أن الجمهورية لم تكن ترفاً، بل كانت ضرورة وجودية، وأن الحفاظ عليها والذود عن حياضها هو الوفاء الأسمى لدماء الشهداء، والضمانة الوحيدة لكي لا يعود اليمن إلى عهود الظلام والحديد والنار.
وارتباطاً بهذا الإرث النضالي العظيم، يمر الشعب اليمني اليوم بأصعب الظروف الإنسانية والسياسية والاقتصادية في تاريخه المعاصر؛ حيث تحاصره الأزمات من كل حدب وصوب، وتثقل كاهله أوجاع الحرب والفقر والجوع والتشرد. وفي ظل هذه المعاناة القاسية، يصبح من الواجب الوطني والأخلاقي المقدس على كل يمني حر أن يقف صفاً واحداً ضد العبث الحوثي الممنهج، الذي لا يستهدف فقط الحاضر وقوت العيش، بل يسعى بكل حقد وعنجهية إلى تجريف الهوية الوطنية وإعادتنا جميعاً إلى المربع الأول؛ مربع الصراعات السلالية، والصكوك الطبقية، والجهل المطبق، والاستعباد المهين الذي ثار ضده آباؤنا وأجدادنا. إننا اليوم أمام مفترق طرق مصيري يتطلب وعياً حاسماً واستنهاضاً للهمم، فالصمت أو التهاون أمام هذا المشروع الكهنوتي هو تفريط صريح بتلك الدماء الطاهرة لثورة 26 سبتمبر المجيدة، والتي كانت حبل النجاة الذي أنقذ اليمن واليمنيين من غياهب الموت والعبودية، ومنحتنا فجر الحرية والكرامة؛ واليوم، ليس أمامنا من خيار سوى الدفاع عن هذا المنجز العظيم، لتبقى الجمهورية شامخة، ولتظل دماء الشهداء يمنيين ومصريين نبراساً يضيء طريق الحرية ويرفض الانكسار.