الحرب المنسية في تعز: باب المندب وصراع الممرات الاستراتيجية
كلما هدأت جبهات القتال في اليمن، عادت الحرب لتفتح مسارًا جديدًا أكثر خطورة، وكأن الصراع لم يعد مجرد حرب داخلية على تحرير اليمن من مليشيات الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء و مؤسسات الدولة واستعادة الشرعية لزمام المبادرة والفعل، وإنما أصبحت المعركة مجرد جزءًا من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه الجغرافيا اليمنية مع أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
وفي هذه المرحلة، يبدو أن جماعة الحوثي تحاول نقل ثقل المواجهة إلى محورين مترابطين: الساحل الغربي وباب المندب من جهة، والأرياف والمرتفعات بمحافظة تعز لاسقاط قلعة الجمهورية وروحها من جهة أخرى. وهذا التطور لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تحرك عسكري محدود، لأن السيطرة على الساحل الغربي أو تهديد باب المندب تمنح الجماعة ورقة جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن، بينما يؤدي الضغط على تعز إلى استنزاف واحدة من أهم مناطق المقاومة المناهضة للمشروع الحوثي.
وتأتي خطورة ذلك في توقيت إعلان رسمي و إقليمي بقيام معركة فجر اليمن وفي وضع بالغ الحساسية؛ فباب المندب لم يعد مجرد ممر بحري مهم بالنسبة لليمن، بل أصبح جزءًا من معادلة أمن الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز ومحاولة الحرس الثوري الإيراني خنق صادرات الطاقة من كلا المضيقين في هرمز و باب المندب، حيث تشير التحليلات الدولية الحديثة إلى أن امتلاك الحوثيين نفوذًا على باب المندب يمنح إيران وحلفاءها إمكانية الضغط على ممرين بحريين من أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة هما هرمز وباب المندب.
تعز ليست معركة محلية
ما يجري في تعز لا ينبغي اختزاله في محاولة لفك حصار مزعوم، لأن الوقائع على الأرض تشير إلى مفارقة واضحة: جماعة ترفع شعار فك الحصار عن اليمنيين، بينما تخوض عمليات عسكرية تؤدي إلى حصار المدن والقرى والأرياف، وتضغط على السكان المدنيين، وتستهدف المناطق السكنية، وتستخدم القوة لإخضاع المجتمعات التي ترفض مشروعها السياسي والعقائدي.
لقد تحملت تعز طوال أكثر من اثني عشر عامًا كلفة حرب قاسية، وخاض أبناؤها المعركة في ظروف استثنائية، وفي كثير من المراحل بأسلحة وإمكانات محدودة، دفاعًا عن مدينتهم وعن فكرة الدولة والجمهورية. ولذلك فإن استمرار ترك تعز دون إسناد عسكري يتناسب مع حجم المعركة لا يمثل مشكلة عسكرية فقط، وإنما يطرح سؤالًا سياسيًا واستراتيجيًا على القيادة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع: ما هي الرؤية تجاه تعز؟ وهل يُنظر إلى جبهاتها باعتبارها جبهة مركزية في معركة استعادة الدولة، أم باعتبارها ملفًا يمكن إدارته بالحد الأدنى من الدعم؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع اتساع رقعة العمليات في جنوب غرب اليمن. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحوثيين يسعون إلى الاستفادة من الضغط على الساحل والمرتفعات معًا، فيما تتركز المعارك حول مناطق ذات قيمة عسكرية وجغرافية مباشرة بالنسبة لتعز وباب المندب. وقد رصدت مصادر دولية خلال الأيام الأخيرة تجدد القتال حول تعز وتقدمًا حوثيًا في بعض محاور جنوب غرب اليمن، بالتزامن مع عمليات مضادة للقوات الحكومية المدعومة سعوديًا على الساحل الغربي.
من الساحل الغربي إلى تعز
إن إعادة توزيع القوات في الساحل الغربي، أو انتقال ثقل من الوحدات المتمركزة في مناطق مثل المخا وذوباب والخوخة وأجزاء من محافظة الحديدة نحو محاور تعز، ينبغي ألا يُقرأ بمعزل عن الجغرافيا العسكرية للمحافظة.
فالساحل الغربي يمثل بالنسبة للحوثيين شريطًا استراتيجيًا يمتد بمحاذاة البحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب، في حين تمثل تعز بوابة جغرافية وسياسية وعسكرية بين الساحل والداخل.
ولهذا فإن المعركة ليست فقط معركة السيطرة على مديرية أو جبل أو طريق؛ إنها معركة على من يملك القدرة على الربط بين الساحل والمرتفعات، ومن يملك القدرة على تهديد مدينة تعز أو خنقها، ومن يستطيع التحكم في طرق الإمداد المؤدية إلى باب المندب والساحل الغربي.
وتزداد أهمية هذا المحور لأن باب المندب يمثل نقطة التقاء بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم فإن أي قوة عسكرية قادرة على تهديده تستطيع أن تحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط في مواجهة السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، بل وفي مواجهة حركة التجارة العالمية.
باب المندب: من الجغرافيا اليمنية إلى ورقة الضغط الإيرانية
هنا تحديدًا تظهر الأبعاد الجيوسياسية الأخطر للحرب.
إذا كان مضيق هرمز يمثل شريانًا أساسيًا لخروج الطاقة من الخليج، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس. وأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب يعني اضطرابًا في خطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا، ويؤثر في تكاليف النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن محاولة الحوثيين تثبيت نفوذ عسكري على الساحل الغربي والجزر القريبة من باب المندب لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. وقد ربطت تحليلات حديثة بالفعل بين تصاعد الضغط على هرمز واحتمال استخدام باب المندب باعتباره نقطة ضغط مقابلة على التجارة والطاقة العالمية.
وبالتالي، فإن استهداف السعودية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو تهديد المطارات والمنشآت الحيوية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مسارًا منفصلًا عن المعركة البحرية. فالمعادلة قد تصبح: ضغط على السعودية من الجنوب، وضغط على الملاحة من باب المندب، وضغط إقليمي أوسع عبر شبكة الصراع الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
وقد شهدت الأيام الأخيرة بالفعل هجمات حوثية معلنة على مطارات سعودية، بينها أبها والرياض، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع في اليمن، الأمر الذي يؤكد أن حدود المعركة لم تعد داخل الأراضي اليمنية فقط.
لماذا تعز ومأرب تحديدًا؟
هناك عقدتان أساسيتان في المشروع الحوثي تجاه اليمن الجمهوري: مأرب وتعز.
مأرب تمثل مركزًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، وصمودها أفشل خلال السنوات الماضية محاولات الحوثيين للتمدد الكامل نحو الشرق والجنوب.
أما تعز فتمثل عقدة مختلفة؛ فهي مدينة ذات ثقل سكاني وسياسي وثقافي، وموقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل بين وسط اليمن وجنوبه وغربه، كما أنها ارتبطت تاريخيًا بالحركة الجمهورية والمدنية وبمقاومة المشروع الإمامي.
ولهذا فإن الضغط على تعز لا يهدف فقط إلى السيطرة على مدينة، بل إلى إضعاف إحدى أهم البيئات الاجتماعية والسياسية المناهضة للحوثيين.
ومن هنا يمكن فهم تركيز العمليات على مناطق مثل المواسط والشمايتين والصلو وسامع وجبل حبشي والأقروض وخدير وغيرها من المحاور المحيطة بتعز. فكل تقدم في هذه المناطق يمكن أن يتحول، إذا لم تتم مواجهته، إلى ضغط على طرق الإمداد ومنافذ المدينة، وإلى محاولة لإعادة إنتاج الحصار من اتجاهات متعددة.
والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في سقوط مديرية هنا أو جبل هناك، وإنما في تحويل المكاسب التكتيكية الصغيرة إلى طوق استراتيجي حول مدينة تعز.
المتحوثون وحصان طروادة
ومن أخطر الأدوات التي يمكن أن يستفيد منها الحوثيون في هذه المعركة ما يمكن تسميته بـ"حصان طروادة المحلي"، أي استغلال شبكات النفوذ والتجنيد والولاءات المحلية لتسهيل إسقاط المديريات من الداخل أو إضعاف قدرتها على المقاومة.
ولهذا فإن المعركة لا تحتاج فقط إلى تفوق عسكري، وإنما إلى وعي سياسي وأمني يمنع اختراق المجتمعات المحلية، ويحافظ على تماسك الجبهة الداخلية، ويمنع تحويل الخلافات المحلية إلى أدوات تستخدمها الجماعة للتوسع.
إن أي خلاف سياسي أو مناطقي داخل معسكر الشرعية يتحول، في النهاية، إلى فرصة عسكرية للحوثيين.
وهذه هي إحدى أكبر نقاط الضعف في المعسكر المناهض للحوثي: تعدد التشكيلات، وتعدد مراكز القرار، واختلاف مصادر الدعم، وتباين الأولويات السياسية والعسكرية.
وفي المقابل، استطاع الحوثيون خلال سنوات الحرب أن يبنوا منظومة قيادة أكثر مركزية، وأن يراكموا خبرة عسكرية وصاروخية وطائرات مسيّرة، وأن يستفيدوا من الدعم والخبرة الإيرانية وفق ما تشير إليه تقارير وتحليلات دولية.
معركة الجمهورية والوحدة والدولة المدنية
المسألة في جوهرها ليست مجرد خلاف على السلطة.
اليمن خاض ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد النظام الإمامي وأسست الجمهورية العربية اليمنية، ثم جاءت ثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، وصولًا إلى قيام الوحدة اليمنية عام 1990.
ومن هذه الزاوية، فإن المشروع الحوثي يطرح تحديًا يتجاوز الصراع السياسي الراهن؛ لأنه يعيد إلى الواجهة سؤال شكل الدولة وطبيعة السلطة ومصدر الشرعية السياسية.
كما أن محاولة اللعب على المشاعر الجنوبية، أو تقديم المشروع الحوثي باعتباره مشروعًا يمكن أن يؤدي إلى تقسيم اليمن أو إعادة إنتاج الوضع الشطري، يجب أن تُقرأ بحذر شديد. فالتجربة الأخيرة في مناطق مثل الشمايتين والمواسط وغيرها تفرض سؤالًا مختلفًا: إذا كان الهدف الحقيقي هو ترك الجنوب وشأنه، فلماذا تتجه العمليات العسكرية إلى مناطق استراتيجية في جنوب غرب اليمن تتحكم في طرق الوصول إلى عدن والساحل وممرات الحركة بين الشمال والجنوب؟
إن السيطرة على المرتفعات الحاكمة والطرق الاستراتيجية أهم بكثير من الشعارات السياسية التي ترفع أثناء الحرب.
فالسيطرة على مناطق مثل ذوباب وباب المندب، والضغط على تعز، والتحرك باتجاه المرتفعات والممرات المؤدية إلى الجنوب، تعطي الحوثيين قدرة على تهديد المجال الجغرافي الممتد من الساحل إلى الداخل، وعلى التأثير في أمن عدن والمطارات والموانئ وخطوط الملاحة.
لا يجوز ترك الساحل الغربي للحوثيين
من الأخطاء الاستراتيجية أن يُنظر إلى الساحل الغربي باعتباره جبهة منفصلة عن بقية اليمن.
الساحل الغربي هو جزء من الأمن القومي اليمني، وجزء من الأمن الإقليمي، وجزء من أمن الملاحة الدولية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة بوضوح أن السيطرة على المخا والمناطق المحيطة وباب المندب والجزر القريبة منه يمكن أن تغير طبيعة الحرب بأكملها. كما أن تحليلات دولية اعتبرت التقدم الحوثي على الساحل الغربي تحولًا استراتيجيًا، لأنه يمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في الملاحة عبر باب المندب.
وهنا يجب ألا تتكرر أخطاء الماضي، وألا تتحول أي ترتيبات مؤقتة أو اتفاقات لوقف القتال، مثل اتفاق ستوكهولم وما ترتب عليه من تجميد بعض الجبهات، إلى وضع دائم تستفيد منه جماعة الحوثي لإعادة بناء قدراتها وإعادة توزيع قواتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجماعة تستفيد من فترات الهدوء لإعادة التجنيد والتسليح والتدريب وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، ولذلك فإن وقف العمليات العسكرية من دون بناء توازن ردع حقيقي قد يعني ببساطة تأجيل الجولة التالية بشروط أسوأ. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحوثيين استفادوا خلال فترات الهدوء السابقة في إعادة التنظيم والتعبئة وتطوير قدراتهم العسكرية.
المطلوب: وحدة الجبهات لا تعددها
المشكلة ليست في غياب المقاتلين أو غياب الرغبة في القتال، وإنما في غياب الرؤية العسكرية الموحدة.
لقد أثبت أبناء تعز ومأرب والساحل والجنوب والشمال والشرق، خلال سنوات الحرب، أنهم قادرون على الصمود والتضحية، لكن استمرار تعدد القوات والتشكيلات والمسميات ومراكز القرار يبدد جزءًا كبيرًا من هذه القوة.
الحوثي يقاتل ضمن منظومة قيادة واحدة وعقيدة قتالية واحدة، بينما ما تزال القوات المناهضة له موزعة بين تشكيلات ومسميات ومناطق ومراكز نفوذ مختلفة.
وهنا يجب أن يكون الهدف واضحًا: الدعم يجب أن يكون باسم الدولة والجيش اليمني، وليس باسم الجغرافيا أو التشكيل أو المنطقة.
اليمن بحاجة إلى جيش وطني مهني، يضم أبناء جميع المحافظات والمناطق دون تمييز، ويخضع لقيادة عسكرية موحدة، وتكون مهمته حماية الجمهورية والدولة والسيادة، بعيدًا عن الحسابات المناطقية والحزبية.
ولا يعني ذلك إلغاء التشكيلات الموجودة بصورة فورية، وإنما يعني دمجها تدريجيًا ضمن بنية عسكرية وطنية واضحة، وتوحيد القيادة والعمليات والاستخبارات والإمداد والتسليح.
لا تتركوا للحوثي اختيار مكان المعركة وزمانها
أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن يقع فيه المعسكر المناهض للحوثيين هو أن يسمح للجماعة بتحديد مكان المعركة وزمانها.
إذا أراد الحوثي أن يحول تعز إلى جبهة، يجب ألا تكون الاستجابة دفاعية فقط.
وإذا حاول الضغط على الساحل، يجب أن تكون هناك رؤية متكاملة تربط الساحل بباب المندب وتعز ومأرب.
وإذا حاول تهديد السعودية، يجب أن يدرك أن توسيع الحرب خارج الحدود لن يمنحه بالضرورة مكاسب سياسية، بل قد يؤدي إلى توحيد الموقف الإقليمي والدولي ضده.
المعركة الشاملة لا تعني فتح جبهات عشوائية في كل مكان، وإنما تعني امتلاك استراتيجية وطنية متكاملة تجعل كل جبهة تخدم الأخرى، وتمنع الحوثيين من نقل قواتهم بسهولة من محور إلى آخر، وتربط بين الضغط العسكري والقرار السياسي والدبلوماسية والاقتصاد.
اليمن أمام اختبار استراتيجي جديد
الحرب في اليمن لم تعد حربًا منسية بالمعنى التقليدي.
فاليمن اليوم يقع في قلب معادلة إقليمية مرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي، وأمن السعودية، وأمن البحر الأحمر، ومصالح مصر وقناة السويس، وأمن إسرائيل، وحركة التجارة العالمية، وأمن القرن الأفريقي.
وباب المندب تحديدًا يجعل أي تغير في ميزان القوى داخل اليمن ذا انعكاسات تتجاوز اليمن بكثير.
لكن الخطر الأكبر هو أن تتحول هذه الأهمية الجيوسياسية إلى سبب جديد لإطالة الحرب بدل إنهائها؛ فتتحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما يدفع اليمنيون الثمن.
ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد معركة عسكرية جديدة، وإنما إعادة صياغة استراتيجية استعادة الدولة على أساس واضح: توحيد الجبهات، وتوحيد القيادة، ودعم تعز ومأرب والساحل الغربي، وتأمين باب المندب، وبناء جيش وطني مهني، ومنع تحويل اليمن إلى ورقة في صراع إقليمي أوسع.
لقد أثبتت السنوات الاثنتا عشرة الماضية أن الحوثيين ليسوا قوة يمكن الاستهانة بها. فقد راكموا خبرة قتالية منذ حروب صعدة، وطوّروا قدرات صاروخية ومسيّرة، واستفادوا من الدعم والخبرة الخارجية، وأصبحوا قادرين على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مصدر ضغط إقليمي ودولي.
لكن امتلاك الحوثيين لهذه القدرات لا يعني أنهم قوة لا يمكن هزيمتها.
المشكلة ليست في قوة الحوثي وحدها، وإنما في تشتت خصومه.
فإذا توحدت الجبهات، وتوحد القرار العسكري، وتساوى الدعم بين المناطق وفق معيار الحاجة العسكرية لا معيار النفوذ السياسي، وأصبحت تعز ومأرب والساحل الغربي وباب المندب أجزاء من استراتيجية واحدة، فإن ميزان القوى يمكن أن يتغير.
أما ترك كل جبهة تقاتل منفردة، وترك تعز تستنزف، وترك الساحل الغربي مكشوفًا، وترك الحوثي يختار مكان المعركة وتوقيتها، فهو تكرار للأخطاء نفسها التي دفعت اليمن إلى إطالة أمد الحرب.
إن معركة استعادة الدولة ليست معركة تعز وحدها، ولا مأرب وحدها، ولا الساحل الغربي وحده.
إنها معركة اليمن كله.
ومن شرق اليمن إلى شماله، ومن غربه إلى جنوبه، يجب أن تتحول الجبهات المتفرقة إلى استراتيجية وطنية واحدة، لأن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بجبهات متنافسة، وإنما بجيش وطني موحد، وقرار سياسي واضح، وإرادة يمنية تعرف أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد جماعة مسلحة، بل ضد مشروع يريد إعادة تشكيل اليمن والمنطقة انطلاقًا من جغرافيتها الاستراتيجية.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني