بريطانيا وفرنسا تتحركان لحماية السعودية .. أين الأمن العربي المشترك؟

منذ 53 دقيقة
مشاركة الخبر:

تشهد المملكة العربية السعودية اعتداءات إرهابية متواصلة تنفذها مليشيا الحوثي، تستهدف أمن المملكة ومطاراتها ومنشآتها الحيوية، في تصعيد يكشف خطورة التهديد الذي تمثله الجماعة، بدعم عسكري إيراني، على أمن السعودية واستقرار اليمن والمنطقة، وسلامة الملاحة البحرية الدولية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتصاعد الهجمات الإرهابية الحوثية على المملكة، بينما يتباطأ تحرك دول عديدة لتقديم الدعم اللازم لحمايتها؟ ولماذا بادرت بريطانيا وفرنسا إلى مساندة السعودية، عبر إرسال طائرات وأنظمة دفاع جوي، في حين لا يزال التحرك العربي والإسلامي دون مستوى التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه المنطقة وتهدد دولها ومصالحها الاستراتيجية؟

إن المبادرة البريطانية والفرنسية تثير تساؤلات جدية بشأن فاعلية منظومة الأمن العربي المشترك، ومدى قدرة التحالفات الإقليمية على الانتقال من المواقف السياسية إلى إجراءات دفاعية عملية تحمي الدول العربية من التهديدات العابرة للحدود. 
ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري حول دور ما يُعرف بـ«حلف مكة»، ومدى جاهزيته لتنسيق الاستجابة للتصعيد الحوثي المدعوم إيرانياً، وتوفير مظلة دفاع جماعي قادرة على ردع الهجمات وحماية أمن المملكة و دول المنطقة والممرات البحرية الدولية.

وفي المقابل، يثير الموقف الأمريكي تساؤلات بشأن مستوى الاستجابة للتهديدات المتصاعدة، ومدى التزام واشنطن بتعهداتها الأمنية تجاه حلفائها، في ظل امتلاك جماعة الحوثيين، اسلحة عابرة للحدود و بدعم عسكري إيراني مشهود، واصبحت مليشيات الحوثي  الإرهابية تمتلك قدرات صاروخية وجوية غير مسبوقة من جماعة ارهابية تهدد المنشآت المدنية والمطارات والممرات البحرية في الداخل اليمني والاقليم، واصبحت توسّع نطاق المخاطر ليشمل أمن الطاقة والتجارة الدولية خدمة لإيران في حربها مع أمريكا وخنق الاقتصاد العالمي.

أمن السعودية واستقرار اليمن: معركة واحدة

إن قراءة التهديد الحوثي من زاوية استهداف السعودية وحدها تظل قراءة ناقصة؛ لأن ما تتعرض له المملكة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يعانيه اليمن من انقلاب مسلح وحرب و تحويل اليمن الى منصة ارهابية دولية، فالجماعة التي تستهدف المملكة بالصواريخ والطائرات المسيّرة هي نفسها التي فرضت سلطتها بالقوة المسلحة على أجزاء واسعة من اليمن، وأسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وإطالة أمد الصراع، بما يهدد أمن اليمنيين ومستقبل دولتهم.

ومن هنا، فإن أمن السعودية واستقرار اليمن ليسا مسارين منفصلين، بل يمثلان ركيزتين مترابطتين للأمن الإقليمي. فاستمرار سيطرة جماعة الحوثيين على مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، وامتلاكها قدرات عسكرية عابرة للحدود، يهددان أمن المملكة من جهة، ويعرقلان استعادة الدولة اليمنية لسيادتها وقرارها الوطني من جهة أخرى.

كما أن استمرار ضعف مؤسسات الدولة اليمنية يهيئ بيئة مواتية لنشاط الجماعات المسلحة، ويتيح استخدام الأراضي اليمنية منصةً لشن هجمات تهدد دول الجوار والملاحة البحرية الدولية، وبذلك، لا تقتصر تداعيات الصراع على الداخل اليمني، بل تمتد إلى أمن الحدود السعودية، واستقرار الخليج، وحركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب.

وفي الداخل اليمني، تتجلى خطورة هذا الوضع في استمرار استهداف المنشآت الحيوية والمطارات، ومنها مطارا عدن ومطار الريان في حضرموت، فضلاً عن استمرار معاناة المدنيين في مدينة تعز من الحصار والقذائف والصواريخ التي تستهدف الاحياء السكنية، فتعز المدينة التي يناهز عدد سكانها مليوني نسمة، جراء الحصار وتداعيات الحرب والانتهاكات الحوثية منذ اربعة عشر عامًا والتي اشتدت وتيرتها خلال الاسابيع الاخيرة.

وتؤكد هذه الوقائع أن حماية السعودية من الهجمات الحوثية لا تنفصل عن دعم استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وإنهاء الانقلاب المسلح، وبناء سلطة وطنية قادرة على بسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية، ومنع استخدامها منطلقاً لتهديد دول الجوار.

فالدفاع عن أمن المملكة ضرورة استراتيجية عربية، واستعادة الدولة اليمنية ضرورة وطنية يمنية، والهدفان يلتقيان في مواجهة التهديد الحوثي المدعوم إيرانياً، وإنهاء استخدام القوة العسكرية لفرض الوقائع السياسية وتوسيع النفوذ الإقليمي، ولا يمكن تحقيق استقرار مستدام على الحدود السعودية اليمنية ما دامت الجماعة تحتفظ بقدرات عسكرية تهدد المملكة، فيما يظل اليمن عاجزاً عن استعادة مؤسساته واحتكار الدولة لقرار الحرب والسلم.

أين منظومة الأمن العربي المشترك؟

في هذا السياق، يثير التحرك البريطاني والفرنسي تساؤلات جوهرية بشأن موقف الدول العربية والإسلامية التي تمتلك القدرات والإمكانات اللازمة للإسهام في حماية أمن المنطقة. ومن هنا يبرز سؤال مهم و جوهري: لماذا تبادر دول أوروبية إلى تقديم الدعم الدفاعي للسعودية، بينما لا يزال التعاون العربي والإسلامي دون مستوى التحديات القائمة؟ 
وهل بلغ «حلف مكة» مستوى من الجاهزية يسمح له بتنسيق الاستجابة العسكرية والدفاعية، وحماية المملكة، والإسهام في دعم استقرار اليمن والمنطقة؟

إن المطلوب اليوم يتجاوز الاستجابة المؤقتة للهجمات، ويستدعي بناء استراتيجية عربية متكاملة تربط بين حماية السعودية، ودعم استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وتعزيز أمن الحدود والممرات البحرية، وتطوير التعاون العسكري والاستخباراتي، ورفع كفاءة أنظمة الدفاع الجوي، ومواجهة مصادر الدعم العسكري الإيراني لجماعة الحوثيين.

كما يتطلب ذلك موقفاً سياسياً عربياً موحداً يدعم استعادة الدولة اليمنية، ويحمي سيادتها ووحدة أراضيها، ويمنع تحويلها إلى ساحة للصراعات الإقليمية أو منصة لشن هجمات على دول الجوار وتهديد الملاحة الدولية، ويقتضي هذا الموقف الانتقال إلى خطوات عملية تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق القدرات الدفاعية، ورفع الجاهزية للتعامل مع التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة اليمنية وتمكينها من استعادة دورها الأمني والعسكري.

إن أي مقاربة تكتفي بحماية السعودية من الهجمات دون معالجة جذور التهديد داخل اليمن ستظل محدودة الأثر؛ كما أن الحديث عن استعادة الدولة اليمنية لن يكتمل دون تحرك إقليمي يوقف التدخلات الخارجية، ويمنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد أمن الجوار.

الخاتمة

إن المبادرة البريطانية والفرنسية إلى مساندة السعودية يجب أن تكون حافزاً للدول العربية والإسلامية للانتقال من التضامن السياسي إلى العمل الدفاعي المشترك. فأمن المملكة واستقرار اليمن مصلحتان استراتيجيتان مترابطتان، ولا يمكن تحقيق استقرار مستدام في المنطقة ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك قدرات عسكرية تهدد السعودية، وتعرقل استعادة الدولة اليمنية، وتعرّض الملاحة الدولية للخطر.

وعليه، فإن المطلوب هو تفعيل منظومة الأمن العربي المشترك، وتنسيق القدرات الدفاعية، وتوحيد الموقف السياسي تجاه التهديد الحوثي المدعوم إيرانياً، بالتوازي مع دعم استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، فحماية السعودية واستعادة الدولة في اليمن مساران متكاملان لصيانة الأمن العربي، ولا يجوز أن تسبق القوى الخارجية الدول العربية إلى تحمل مسؤولية حماية أمن المنطقة، بينما تمتلك هذه الدول من الإمكانات ما يؤهلها للقيام بدور أكثر فاعلية وحسماً.

 
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني