حصاد الأكاذيب في تعز .. حين تفضح الوقائع الميدانية «سيد الكهف»

منذ 17 ساعة
مشاركة الخبر:

ليس غريباً أن ينفي الارهابي عبدالملك الحوثي وجود حصار على مدينة تعز، لكن اللافت حقاً أن يصف هذا التطويق الممنهج بأنه «كذب وافتراء»، وكأن الكلمات قادرة على محو واقع دموي يعيش و عاشه السكان لسنوات، أو أن إنكار المعاناة يمكن أن يغيّر ما تراه العائلات يومياً على الطرق المغلقة والمنافذ المقيّدة بالألغام. إن المشكلة في هذا الخطاب المفضوح أنه يحاول اختزال قضية إنسانية كبرى في سؤال ضيق: هل تدخل بعض المواد الغذائية إلى المدينة أم لا؟ 

بينما الحقيقة أوسع بكثير من منّية العبور؛ فالصراع هنا لا يُقاس فقط بعدد الشاحنات، بل يُقاس بحرية الإنسان في الحركة والكرامة، وقدرته على الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومدى سهولة انتقال العائلات بين المدينة ومحيطها دون إرهاب.

الحصار الحقيقي لا يقاس بعبور الحاويات فحسب، بل بشرايين الحياة التي قُطعت عمداً، وبالطرق الرئيسية التي أُغلقت في وجوه المدنيين، وبالمسافات والمشقة التي تضاعفت على المرضى والطلاب والموظفين والتجار. حين يُجبر مئات الآلاف من البشر على سلوك طرق جبلية وعرة وخطرة لاستنزاف أعمارهم وأموالهم وتعريض حياتهم للموت تحت حوادث الطرق أو رصاص القنص، فإن الحديث عن انعدام الحصار يصبح انفصالاً تاماً عن واقع الحياة اليومية. وليس من المنطقي أو المقبول أن يُطلب من سكان تعز إثبات معاناتهم المستمرة في كل مرة يُطرح فيها هذا الملف؛ فالمدينة لم تعانِ من أزمة عابرة في حركة النقل، بل من قيود ممتدة أثّرت في تفاصيل عيشهم، ورفعت كلفة السلع الأساسية، وأعاقت وصول المرضى العاجزين إلى المستشفيات، وجعلت أبسط الاحتياجات اليومية رحلة عذاب ومخاطرة.

وخلف كل طريق مغلق قصة ألم حية؛ فثمة أم ترقب بقلق مريضاً تأخر علاجه بسبب وعورة الطرق البديلة، وطالب استنزف الطريق الطويل طاقته ووقته للوصول إلى مقعده الدراسي، وأسرة تحملت أعباء مالية ونفسية باهظة لمجرد رغبتها المشروعة في التنقل بسلام. وما يضاعف الفجاجة هو أن يتجاهل الإنكار الحوثي التقارير الأممية والحقوقية الموثقة، ومنها التقرير الصادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» في أبريل 2016 وما تلاه من إحاطات دورية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وتقارير «برنامج الأغذية العالمي» التي رصدت بوضوح القيود المفروضة على حركة المدنيين وصعوبات وصول الإمدادات والمساعدات الإنسانية إلى داخل المدينة. هذه الوقائع الدامغة لا يمكن تجاوزها بخطاب سياسي ينفي المشكلة من أساسها، ولا بتعريف وهمي يحصر الحصار في منع دخول الغذاء وحده.

إذا كان نفي الحصار يعكس واقعاً فعلياً على الأرض، فإن إثبات ذلك لا يحتاج إلى سجال طويل ولا إلى خطب استعراضية؛ يكفي فتح الطرق الرئيسية فوراً ودون شروط أمام المدنيين، وضمان حرية التنقل، وإزالة الألغام والمخاطر التي تهدد حياة المسافرين، وتسهيل وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات بصورة منتظمة وآمنة. عندها فقط يمكن للناس أن يحكموا على الواقع من تجربتهم اليومية، لا من تصريحات المسؤولين عنه. إن جوهر القضية ليس في توصيف سياسي يتنازع عليه الخصوم، بل في حق سكان تعز الأصيل في حياة طبيعية؛ في أن يصل المريض إلى المستشفى دون أن يخوض مغامرة الموت، وأن يتحرك التجار والخدمات بلا إتاوات أو تنكيل.

تعز لا تنتظر اعترافاً بمعاناتها من رأس الهرم الحوثي كي تصبح تلك المعاناة حقيقة، ولا تحتاج إلى شهادة من أحد لتثبت ما عاشه أبناؤها على مدار السنوات. فالمدينة التي عرفت الطرق المغلقة وكلفة الانتظار لا يمكن إقناعها بأن ما عانته لم يكن حصاراً لمجرد أن خطاباً سلطوياً قرر تسميته بغير ذلك. قد تنجح التصريحات في إنكار الوقائع لبعض الوقت أمام الكاميرات، لكنها لن تفتح طريقاً مغلقاً، ولن تنقل مريضاً أنهكه السفر، ولن تعيد إلى أسرة حقها في الأمان. وما سيبقى في ذاكرة تعز ليس ما قيل عنها في الخطب العابرة، بل ما عاشه أهلها بصمود وثبات، وما ينتظرونه حتى اليوم: طرقاً مفتوحة، وحياة بلا قيود، وحقاً لا يمكن أن يكون موضع مساومة أو استخفاف.