إيران واليمن.. الوصاية و تهديد الملاحة الدولية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في ظل تصاعد المواجهات العسكرية في اليمن، وتكبد المليشيات الحوثية خسائر ميدانية متلاحقة، يكتسب ظهور القيادي في الحرس الثوري الإيراني، علي محمد رضائي، في العاصمة صنعاء دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الزيارة أو التصريحات الإعلامية، فهو يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الإيراني في إدارة الملف اليمني، وما إذا كان الهدف يقتصر على رفع معنويات الحوثيين، أم يمتد إلى الإشراف على ترتيبات عسكرية جديدة تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية، خصوصاً في مضيق باب المندب.

التوقيت والرسائل الإيرانية

يأتي هذا الظهور في توقيت حساس، بالتزامن مع العملية العسكرية «فجر اليمن»، وما تشهده جبهات القتال من مواجهات وخسائر في صفوف المليشيات الحوثية، ومن الواضح أن أحد أهداف طهران هو توجيه رسالة إلى أتباعها بأن دعمها للجماعة مستمر، وأنها لم تتخلَّ عنها رغم الضغوط والخسائر الميدانية.

غير أن اختزال الظهور في الجانب المعنوي لا يفسر أبعاده كاملة؛ فالتقارير التي تتحدث عن دور رضائي في التنسيق والإشراف على الجوانب العسكرية والأمنية تثير تساؤلات بشأن مستوى التدخل الإيراني المباشر في إدارة العمليات الحوثية، ومدى ارتباط هذا الحضور بترتيبات تصعيدية جديدة.

كما يكشف الظهور عن طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لا تبدو المليشيات الحوثية مجرد حليف سياسي لطهران، بل جزءاً من منظومة نفوذ إقليمية توظف قدراتها العسكرية وفق حسابات تتجاوز المصالح اليمنية وتكون تحت ادارة واشراف الحرس الثوري الإيراني.

باب المندب.. البعد الاستراتيجي

الأكثر خطورة في هذا السياق ما تتحدث عنه تقارير عسكرية بشأن مخططات حوثية، بإشراف إيراني، وبخاصة بعد السيطرة على مواقع استراتيجية مطلة على مضيق باب المندب، وفي مقدمتها مديرية المخا وميناؤها، وتشير المعلومات المتداولة عن وثائق عُثر عليها لدى قيادي حوثي معتقل إلى وجود خطة متعددة المراحل تستهدف السيطرة على المنطقة ومواقعها الحيوية وصولا الى العاصمة المؤقتة عدن ثم التوغل نحو محافظات شرق اليمن في شبوه و حضرموت والمهرة.

وتتزايد المخاوف من توظيف المرتفعات الساحلية والمنظومات الصاروخية والطائرات المسيّرة في تهديد حركة السفن والموانئ والممرات البحرية. وإذا صحت المعلومات المتعلقة بهذه الترتيبات، فإن الأمر يتجاوز التصعيد العسكري داخل اليمن إلى محاولة امتلاك ورقة ضغط استراتيجية على خطوط التجارة والطاقة الدولية.

وتكمن خطورة هذا التوجه في أن باب المندب ليس مجرد ممر بحري يمني، بل شريان حيوي للتجارة العالمية، وأي محاولة لتهديده ستنعكس على أمن البحر الأحمر والمنطقة بأكملها، كما أن استنساخ تجربة تهديد مضيق هرمز في باب المندب يعني توسيع نطاق المواجهة الإقليمية وفتح جبهة بحرية جديدة ذات تداعيات دولية واسعة.

التناقض الإيراني ومسؤولية الشرعية

في مقابل هذه المؤشرات، تواصل إيران تقديم نفسها باعتبارها طرفاً يدعو إلى احترام سيادة اليمن ورفض التدخل الخارجي، وتنفي مسؤوليتها عن العمليات العسكرية للحوثيين. غير أن هذا الخطاب يتناقض مع طبيعة حضور مسؤوليها العسكريين في صنعاء، ومع التقارير الدولية التي وثقت أنماطاً من الدعم العسكري والتقني الإيراني للمليشيات الحوثية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة ومكونات الأسلحة والخبرات المرتبطة بها.

وفي المقابل، تملك الحكومة اليمنية الشرعية أساساً قانونياً وسياسياً لمواجهة هذا التدخل، باعتبارها الممثل المعترف به دولياً للدولة اليمنية، والمطلوب هو الانتقال من بيانات الإدانة إلى تحرك دبلوماسي منظم، يستند إلى توثيق الأدلة المتعلقة بالدعم العسكري الإيراني، وطرحها أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة، وبناء موقف إقليمي ودولي يربط التدخل الإيراني بتهديد أمن الملاحة الدولية وعمل عسكري منظم ومن كل جبهات القتال حتى لا يترك للمليشيات الحوثية الاستمرار في حصار تعز والسيطرة على اريافها والساحل الغربي للانطلاق لاحقا لاسقاط العاصمة المؤقتة عدن وفرض الامر الواقع بالسيطرة العسكرية وارهاب اليمنيين وقتلهم.

كما أن تعزيز الشراكة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول المعنية بأمن البحر الأحمر، وتوحيد الموقف تجاه التهديدات الحوثية، يمثلان ضرورة لحماية المصالح اليمنية والإقليمية والدولية.

اليمن لن يكون ورقة إيرانية تقدمها كا كبش فداء لمشروع السيطرة ونقل المعركة خارج الحدود الإيرانية 
حيث إن ظهور رضائي في صنعاء يحمل رسالتين متداخلتين: الأولى داخلية، تستهدف رفع معنويات المليشيات الحوثية المنهارة نتيجة خسائرها الكبيرة في تعز والساحل الغربي وكذلك التأكيد على أن طهران لا تزال تقف خلفها وانها ستنفذ ما تريده ايران مهما كانت الخسائر  لليمن و الشعب اليمني وانه اذا ما تعرضت للهجوم الأمريكي الوشيك ستحاول تحريك هذا الذراع الحوثي بكل قوة وغلق مضيق باب المندب والبحر الأحمر؛ والثانية إقليمية ودولية، تؤكد أن إيران تريد الاحتفاظ باليمن ورقة ضغط في حسابات المواجهة والنفوذ، خصوصاً في الممرات البحرية الاستراتيجية وفي حربها مع أمريكا وإسرائيل والتي اوشكت على الحدوث مرة اخرى ولكن بطريقة اكبر و اشد.

لكن هذا الظهور يكشف، في الوقت نفسه، حقيقة التناقض بين الخطاب الإيراني عن السيادة والاستقلال، وممارسته الفعلية للوصاية على القرار الحوثي وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة بيد الحرس الثوري الإيراني، كما يضع المليشيات الحوثية أمام حقيقة أنها لا تدير صراعاً يمنياً مستقلاً، بقدر ما توظف قدراتها العسكرية في مشروع إقليمي تتحمل البلاد تبعاته السياسية والاقتصادية والأمنية خدمة لايران التي تتوقع هجوم عسكري شامل من أمريكاوإسرائيل.

إن مواجهة هذا المسار لا تقتصر على إدانة التدخل الإيراني، بل تتطلب استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وتوحيد قرارها السياسي والعسكري، وبناء موقف دولي حازم يمنع تحويل اليمن وموانئه وممراته البحرية إلى أدوات في صراعات إقليمية.

فأمن باب المندب جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة والعالم، ومستقبل اليمن لا يقرره الحرس الثوري، بل يقرره اليمنيون وحدهم، بعيداً عن الوصاية الإيرانية ومشاريع الهيمنة الإقليمية.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني