رؤوس رخيصة في سوق الفتن.. كيف تحول "القبيلي" إلى حطب مجاني لمعارك الكبار؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في عمق الموروث الشعبي اليمني، تبرز حكمة الأجداد كمرآة صافية تعكس الواقع وتعرّي تناقضاته. ومن بين تلك الأمثال المأثورة، يتردد مثلٌ يلخص وجعًا ممتدًا عبر الأجيال: "الحجر من الأرض، والدم من رأس القبيلي". هذا المثل، على بساطة مفرداته، يحمل أبعادًا فلسفية واجتماعية عميقة، ويشخّص بدقة متناهية مأساة الاستنزاف البشري في الصراعات والنزاعات العبثية.

إن المعنى المباشر للمثل يتحدث عن مجانية أدوات الحرب وكلفة ضحاياها؛ فالحجارة ملقاة على قارعة الطريق بلا ثمن، لكن الكلفة الحقيقية والنزيف المستمر يكونان من دم الإنسان (القبيلي) الذي يندفع بـ"الفزعة" أو الحمية ليكون هو الضحية في نهاية المطاف. وإذا ما سقط، فلا تعويض يعيد الحياة، ولا رابح في معركة وقودها الإنسان وسلاحها متوفر للجميع.

وعند إسقاط هذا المثل على واقعنا المعاصر من منظور حقوقي، نجد انتهاكًا صارخًا لأقدس الحقوق الإنسانية، وهو "الحق في الحياة". وتتجسد فداحة هذه المأساة في الأرقام المفزعة التي توثقها التقارير الدولية والمحلية؛ حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة وتقارير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح منذ اندلاع النزاع. هذه الكلفة البشرية الهائلة، التي تضم آلاف النساء والأطفال، تعكس واقعًا مريرًا تتحول فيه أجساد البسطاء إلى مجرد أرقام في قوائم الخسائر الجانبية لمعارك لم يجنِ منها المجتمع سوى الخراب والتدمير المستمر.

إن استمرار هذا النهج يعكس استرخاصًا ممنهجًا للنفس البشرية، حيث تجد الأطراف المستفيدة من إشعال الفتن والتأجيج والحروب أدوات الصراع رخيصة ومتوفرة، بينما تدفع المجتمعات البسيطة الثمن الأغلى من حياة أبنائها ومستقبل شبابها. يتحول المواطن المندفع بالوعي الزائف إلى ضحية لآلة حرب تسلبه حياته وتترك أسرته تواجه مصيرها بلا سند، وسط غياب تام للمساءلة والإنصاف الحقوقي.

ومن الناحية الحقوقية، فإن الصمت على هذا الاستنزاف المجاني يمثل شراكة في الجريمة. وحين تنتهي المعارك، وتخمد النيران، يكتشف الجميع أن "الحجر" ظل كما هو على الأرض، بينما خسرت الأرض والوطن خيرة رجالهما وشبابهما، مخلفةً مجتمعًا مثقلًا بالثكل واليتم والفقر وانعدام الأمن الغذائي الذي بات يهدد الملايين من أبناء هذا الشعب.

لقد حان الوقت لكسر هذه الدائرة المفرغة من الانتهاكات. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق النخب الثقافية والإعلامية، وقادة الرأي، والمنظمات الحقوقية لتغيير هذا المفهوم والارتقاء بالوعي القانوني والإنساني للمجتمع. يجب أن ندرك جميعًا أن دماء أبنائنا ليست وقودًا رخيصًا للمعارك، وأن صون كرامة الإنسان وحقه في العيش بأمان هو أساس أي استقرار.

إن استدعاء هذا المثل اليوم ليس لمجرد التباكي، بل هو صرخة إعلامية وحقوقية في وجه كل من يستثمر في أرواح البسطاء. لنعلم أولادنا أن حقن الدماء وتغليب لغة القانون والعقل هو الانتصار الحق، وأن الحفاظ على رأس الإنسان اليمني هو الهدف الأسمى الذي يجب أن تتوقف عنده كل الصراعات، ليبقى الدم غناءً للحياة لا قربانًا في سوق الفتن العبثية.