أليس فينا رجل حكيم؟.. مأساة شعب يبحث عن الحكمة اليمانية المفقودة
إلى متى يظل الدم اليمني يراق بلا ثمن على أرصفة الصراعات التي لا تنتهي؟ وإلى متى تستمر هذه التراجيديا المؤلمة لشعب صابر، تنهكه الأزمات المعيشية، ويحاصره الغلاء الفاحش، وتربص به الأمراض، بينما يخيّم ظلام الخوف على مستقبل أطفاله؟ إن هذا السؤال ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو غصة تتردد في جوف كل بيت يمني، وتتردد أصداؤها من قمم صعدة شامخاً إلى شواطئ عدن، ومن صحاري المهرة إلى سواحل الحديدة، ليصرخ في وجه الصمت: أليس في اليمن رجل حكيم، يملك النفوذ والشجاعة الوطنية، ليقول بكل قوة "كفى"، ويضع حداً لهذا النزيف المستمر الذي يكاد يأتي على الأخضر واليابس؟
إن ما يمر به يمننا الحبيب اليوم قد تجاوز كل الحدود المقبولة والمفاهيم الإنسانية، ليعصف بالمقومات الأساسية للدولة والمجتمع، متحولاً إلى كارثة إنسانية ووطنية غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر. لقد تآكلت أواصر الترابط والتعايش التي صمدت لآلاف السنين أمام العواصف، وغابت لغة التفاهم وسيادة العقل لتحل محلها القطيعة وصوت الرصاص. وفي خضم هذا كله، غابت "الحكمة اليمانية" التي ضرب بها التاريخ أروع الأمثال، وصارت الحلول العسكرية والمماطلة السياسية هي السائدة رغم ثبوت عقمها؛ فكل يوم يمر دون سلام حقيقي هو طعنة غائرة في جسد الوطن، وخسارة فادحة لمستقبل أجيالنا القادمة.
إن إلقاء اللوم وتبادل الاتهامات لم يعد مجدياً أمام هذه اللحظة الفارقة، فال مسؤولية اليوم لا تقع على طرف دون آخر، بل هي مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتوزع على عاتق كل القيادات، والنخب، والوجهاء، والمثقفين، وقادة المجتمع، ورجال القبائل. إن ما نحتاجه اليوم ليس شجاعة القتال وشدة البأس، بل شجاعة نادرة من نوع آخر تتمثل في شجاعة التنازل من أجل بقاء الوطن، والجلوس على طاولة حوار يمنية يمنية صادقة ومباشرة، تضع كرامة المواطن المطحون وحياته فوق كل المكاسب الحزبية والمصالح الضيقة.
ومن هذا المنبر الوطني، نتوجه بنداء عاجل وصادق إلى كل ذي عقل وقلب ينبض بالحب لليمن الأرض والإنسان؛ دعونا نغلّب لغة العقل والمنطق، ولنتحرك جميعاً للضغط من أجل إيقاف آلة الخراب والبدء الفوري في مسار السلام والشراكة. يجب توجيه الطاقات نحو التعافي الاقتصادي، وصرف مرتبات الموظفين المنقطعة، وتحسين الظروف المعيشية والأمنية للناس. وليعلم الجميع أنه لن يخرج أحد منتصراً إذا ما ضاع الوطن، وأن التاريخ لن يرحم من ساهم في إطالة أمد هذا الوجع. حان الوقت لكي تستيقظ فينا حكمة الأجداد، وتستنهض النخوة الوطنية، لننقذ ما تبقى من أرض الإيمان والحكمة قبل فوات الأوان.