شِباك الدعم وأشواك التشرذم
في قراءة المنعطفات التاريخية الكبرى، تظل الشراكة الاستراتيجية بين الأشقاء صمام الأمان لمواجهة التحديات المصيرية. وحين انطلقت "عاصفة الحزم"، تلاها بزوغ "إعادة الأمل"، كان الموقف الأخوي يمثل حجر الزاوية الذي التفت حوله الآمال لاستعادة أركان الدولة وترميم سيادتها المتصدعة. هذا الجهد المقدر بالمال والسلاح والموقف لا يمكن للتاريخ أن يغفله كخطوة جادة لحماية الأمن الإقليمي المشترك.
لكن المراجعة الحصيفة لمسارات الدعم تقتضي التأمل في النواتج التي تشكلت على الأرض؛ إذ إن هندسة المشهد السياسي والعسكري في صالونات القرار لم توفق دائماً في ملامسة واقع الاحتياج الحقيقي للبلاد. فحين اعتمدت آليات الاختيار والتمكين لمكونات الشرعية على اعتبارات التوازنات المؤقتة والولاءات الضيقة عوضاً عن الكفاءة الصارمة والنزاهة المطلقة، وُلدت بنية سياسية هشة تعاني من تداخل في الصلاحيات وتشرذم في القرار، ما أفرغ مؤسسات الدولة من محتواها وقدرتها على القيادة الحقيقية للمجتمع.
هذه الفجوة الإدارية والهيكلية التي رعاها الدعم بغير قصد، قادت إلى تبعات قاسية على الصعيدين السياسي والميداني. فقد غدت منظومة الشرعية مكبلة بضعفها، بل وأصبحت مفاصلها عرضة للاختراقات التي جعلت من قراراتها ومواقفها -في محطات حاسمة- تخدم أجندة الخصوم عوضاً عن تقويضها. وبدلاً من أن يفضي هذا الإسناد السخي إلى صناعة "فجر جديد" لليمن، أدى تشتت الرايات وتعدد الفصائل التي نشأت تحت مظلة الرعاية إلى إضعاف الجبهة الموحدة، وتحويل النصر المأمول إلى حالة استنزاف مستدام يستفيد منها الطرف الآخر لتثبيت أقدامه على الأرض.
إن ظهور الحليف بمظهر المهيمن على القرار والموارد السيادية والمنافذ، لم يكن رغبة في فرض الوصاية بقدر ما كان نتيجة حتمية لملء الفراغ الذي تركه ضعف تلك الأدوات المصنوعة. لكن هذا الوضع أفرز انطباعاً شعبياً قلقاً، يجعل الدعم يبدو في عيون أبناء الدار كأنه يحد من السيادة الوطنية بدلاً من تمكينها. فالشعوب تقرأ النتائج، وتدرك أن رعاية الأدوات غير المؤهلة لن تبني دولة قادرة على الصمود، بل تحيل المشهد إلى جزر نفوذ متنافرة تعيق أي أفق للاستقرار والتنمية.
إن هذه الرسالة لا تقلل من حجم التضحيات، بل تدعو من دافع الحرص على نجاح التحالف إلى مراجعة استراتيجية شجاعة وعميقة. فلم يعد هناك متسع لتدوير الصيغ السابقة التي أثبتت عقمها؛ وتصحيح المسار يفرض اليوم على الراعي إدراك أن حماية الأمن المشترك واستعادة الدولة تبدأ من نقطة جوهرية واحدة: إعادة تشكيل شرعية حقيقية من الكفاءات الوطنية المتواجدة على الأرض، وبعيداً تماماً عن المحاصصات الحزبية والقوى التقليدية الفاشلة التي استهلكت رصيدها، لتكون هذه النخب الجديدة قادرة على قيادة الدار وتوجيه الدعم في مساره الصحيح نحو الاستقرار المستدام.