مستنقع الجمود

منذ 52 دقيقة
مشاركة الخبر:

يمر الوقت على الجغرافيا اليمنية المنكوبة، وتحديداً على تَعِز المحاصرة، ليس كدقائق وثوانٍ، بل كجرعات متتالية من الخذلان السياسي والعسكري المرير. إن المشهد السريالي البائس الذي تعيشه تعز اليوم  وهي تواجه اشتداد الحصار الخانق ، وعزلها عن العاصمة المؤقتة عدن بعد استهداف طرقها وشرايينها الرئيسية ، لا يمكن قراءته إلا كإدانة علنية ومباشرة لأدوات إدارة المعركة وتسيير ملفات التحرير.
لقد تحول المشهد من تعثر تكتيكي إلى ما يشبه التواطؤ العاجز. فبينما يغط المعنيون بالشرعية والقرار في سبات عميق، تبدو مؤسسات إدارة الدولة وكأنها خارج نطاق الخدمة، متفرغة تماماً للترضيات السياسية والمعارك الجانبية والمكاسب الضيقة على حساب دماء المواطنين ومعاناتهم. هذا الركود المخزي والبرود الرسمي في مواجهة الكوارث الإنسانية المتفاقمة والمجاعة اللامتناهية التي تفتك بأكثر من 800 ألف مدني في تعز، لم يعد يسيء للشرعية فحسب، بل أسقط ما تبقى لها من رصيد في وعي الشارع وأدراج التاريخ.
إن ما يحدث في تعز ليس حالة معزولة، بل هو تجسيد للمشهد ذاته الذي يتكرر في مختلف المناطق والمدن الأخرى من غرب البلاد إلى شرقها، حيث تقف الجبهات في حالة موت سريري وتتراجع الخطوط الدفاعية والخطط العسكرية أمام التقدم الممنهج للمليشيات الحوثية. إن تمدد هذه الجماعة وعبثها المستمر بمقدرات البلاد لم يكن ناتجاً عن قوة خارقة يمتلكونها، بل هو النتيجة الطبيعية والحتمية لفشل الإدارة الرسمية في مواجهتهم، وغياب الإرادة، وغرق مراكز القرار في عشوائية التخطيط، والاتكال الكامل على حسابات خارجية أسقطت معركة الكرامة من أولوياتها.
لقد تحولت الوعود البراقة باستعادة الدولة وتحرير الأرض إلى حبر على ورق الخذلان، بينما تُركت المدن وأبناؤها وحيدين يواجهون مصيرهم أمام آلة القمع والحصار. إن النوم في أحضان التبريرات الواهية والتسويات الهشة لن يصنع نصراً، ومحاولة امتصاص غضب الشارع بالشعارات الجوفاء لم تعد تنطلي على أحد. إن لم تستيقظ هذه القيادة المترهلة من سباتها، وتفض الغبار عن معارك التحرير المؤجلة عمداً، فإن واقع الانتظار المرير لن ينتج سوى سقوط متتالٍ لما تبقى من سيادة، في مشهد لن يغفره التاريخ ولن يتجاوزه أبناء المدن المنسيه.