إقالةٌ بلا حساب وترقيةٌ بلا عقاب .. كيف يصبح المسؤول "مليونير الفشل" في بلد العجائب؟!
في بلد العجائب والغرائب، لم يعد الفساد ظاهرة تُستنكر أو جريمة تقتضي التخفي، بل تحول إلى "مسار مهني" مضمون النتائج! هنا فقط يدخل المسؤول أو القائد الخدمة الحكومية وهو لا يملك إلا ثوبه وكرامته، وما هي إلا خمس سنوات (أو أقل بحسب سرعة يده) حتى يصبح من أثرياء البلاد والعباد، يمتلك أسطولاً من السيارات، وفللاً في الداخل، وأبراجاً في الخارج، وأرصدة تُبكي البنوك من شدة التضخم!
والأغرب من ذلك أن الفشل الذريع هو التأشيرة الذهبية للترقية، وأن غياب المحاسبة صار هو القاعدة الراسخة التي يُبنى عليها مستقبل "عصابات الفساد".
"المنتصف" فتحت هذا الملف المسكوب بالمرارة، واستطلعت آراء نخبة من المواطنين والمختصين في هذا الاستطلاع.
تكتيكات الكرسي الذهبي
فضل ناجي الحديامي (مسؤول محلي سابق وخبير في "البرستيج" الحكومي) قال: "الناس لا تفهم فلسفة التعيين! المسؤول عندما يُعيَّن وهو 'عاري الحاف'، يُعطى مهلة خمس سنوات للتأمين الشامل له ولأحفاد أحفاده.
الفشل ليس عيباً، بل هو دليل على أنه كان مشغولاً جداً بتعداد عقاراته في الخارج. أما موضوع الإقالة؛ فالمحترم يغادر بهدوء ليبدأ مرحلة استثمار الأموال، والذكي يُرقَّى إلى منصب أعلى لتكريم جهوده في شفط الميزانية، أما المشاغب فهو من يرفض الخروج إلا بشرط: 'إما الدم.. أو وعد بمستقبل أفضل وأوسع شفطاً!'."
النبض الشعبي والشبابي: علي بابا في زمن التقشف
جمال عوض الحسني (ناشط شبابي ومستشار في الصبر الشعبي) قال: "حكاية 'علي بابا والأربعين حرامياً' تعتبر ظالمة جداً بحق المسؤولين لدينا! علي بابا كان لديه مغارة واحدة وكلمة سر 'افتح يا سمسم'، أما مسؤولونا فلديهم مئات المغارات والفلل والسيارات، وكلمة السر لديهم هي 'افتح يا بنك'! العجيب أن الدولة تتعامل معهم بلغة: 'اعملوا ما شئتم فلن يضركم شيء'. لو كانت هناك جائزة نوبل لإثراء المسؤولين في وقت قياسي، لكانت منطقتنا تحتكرها سنوياً وبجدارة."
معادلة الفساد وميزانية البيت
د. سارة عبدالحكيم السقاف (أكاديمية وباحثة في الشؤون الاجتماعية) قالت: "عندما تطلب المرأة من زوجها الموظف البسيط زيادة ميزانية المنزل، يشتكي من الغلاء، لكن بقدرة قادر يتحول جاره المسؤول المخلوع إلى تاجر عقارات خلال أشهر! نحن أمام منظومة تصنع من الفاشل لصوصاً بعيون مبهرة لا ترمش من الحياء.
غياب المحاسبة جعل المنصب الحكومي أشبه بـ'موسم حصاد شخصي'، والقانون المطبق حالياً هو: 'من سرق صغيراً سُجن، ومن سرق دولةً سُمي معالي المسؤول'."
السلاح ضد قرار الإقالة
اللواء الركن/ ناصر الشعيبي (محلل أمني وعسكري) قال: "في العلوم العسكرية المتعارف عليها، يُقال القيادي إذا فشل في مهامه. لكن في كتابنا الخاص، الإقالة هي بداية 'المناورة'! المسؤول أو القائد الذي يُقال، إما أن يقلب الدنيا رأساً على عقب ويحشد أنصاره ويرفض الخروج حتى تتدخل الوساطات وتعده بـ'مستقبل أفضل'، أو يُرقَّى لتهدئته. لا يوجد سجن، ولا استعادة أموال، ولا حتى كلمة 'من أين لك هذا؟'. وكأن لسان حال الدولة يقول: 'عفا الله عما نهبتم'!"
بورصة العقار والسيارات الفارهة
الشيخ منصور اليافعي (رجل أعمال وتاجر) قال:
"في السوق والتجارة، تحتاج لعشرات السنين وتعب شبكتك حتى تبني ثروة وتشتري فيلا واحدة. أما في القطاع الحكومي لدينا، فالخلطة السحرية هي: 'عيِّنوه مسؤولاً، وانتظروا ثلاث سنوات'. تجدهم ينافسون كبار التجار في شراء الأراضي والسيارات لأبنائهم وأقربائهم! لقد تحول الفساد إلى محرك رئيسي للسوق العقاري، والضحية الوحيدة هو الاقتصاد والمواطن المغلوب على أمره."
دولة القانون المعلقة في الهواء
محمد المقطري (كاتب صحفي ومؤرخ) قال: "نحن لا نطلب المستحيل، نحن نريد 'دولة قانون' فقط؛ دولة يُحاكم فيها المسؤول الفاشل واللص بالسرعة نفسها التي يُحاكم بها المواطن البسيط. طالما أن المحاسبة غائبة، وأن النهب هو المؤهل الوحيد للترقية والاستمرار، فلن يصلح حال البلاد ولا العباد. الفساد لدينا ليس مجرد سلوك فردي، بل أصبح بروتوكولاً رسمياً يُحترم ويُكافأ صاحبه!"
الختام:
تظل التساؤلات قائمة والوجع يتكرر مع كل قرار تعيين وإقالة: متى نرى مسؤولاً فاسداً خلف أسوار السجن بدلاً من أن نراه في منصة الترقية؟ ومتى تشرق شمس دولة القانون التي تتساوى فيها الرؤوس وتُقطع فيها أيادي العابثين؟