بين تعديل وزاري وتغييرات عسكرية .. هل تعيد الشرعية ترتيب مؤسساتها أم توزّع النفوذ؟
لا يمكن قراءة التعديل الوزاري الأخير في حكومة الدكتور شائع الزنداني بمعزل عن التحولات العسكرية في تعز ولحج والساحل الغربي، فالتزامن بين إعادة ترتيب الحقائب الوزارية وتغيير قيادات عسكرية، في وقت يحقق فيه الحوثيون مكاسب ميدانية في بعض أرياف تعز ومناطق الساحل الغربي، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تتجه الشرعية إلى إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد قرارها السياسي والعسكري، أم أنها تعيد توزيع مواقع النفوذ بين مكوناتها، بينما تستمر الاختلالات الميدانية في إضعاف قدرتها على المواجهة؟
المسألة لم تعد مجرد تغيير وزراء أو تدوير قيادات، بل تتصل بأزمة إدارة المعركة واستعادة الدولة.
المشهد العسكري: انتقال الضغط إلى بوابة عدن
لم يعد ما يجري في تعز ولحج والساحل الغربي تصعيداً تقليدياً، بل تحولاً في طبيعة المعركة واتجاهاتها الجغرافية، حيث انتقل الحوثيون من الضغط على مواقع متفرقة إلى محاولة السيطرة على المرتفعات والطرق والمحاور التي تتحكم في حركة القوات والإمدادات بين تعز وعدن والساحل الغربي، عبر ثلاثة مسارات مترابطة.
أولاً، أرياف تعز: استفاد الحوثيون من التضاريس الجبلية وتعدد المحاور وضعف التنسيق بين التشكيلات المدافعة لتحقيق اختراقات في جبهة الكدحة ومحيطها، والسيطرة على جبل حبشي وما تلاها من مديريات الحجرية، ثم التقدم باتجاه الساحل الغربي. والأخطر أن المعركة لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل الطرق التي تربط المدينة بمحيطها، وقد أدى قطع الطريق الجنوبي باتجاه عدن منذ مطلع أكتوبر إلى تشديد الحصار على مديريات تعز وصبر، مع تقارير عن تدهور إنساني خطير، وتعذر وصول الإمدادات إلى مئات الآلاف، وتراجع قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات، وانهيار الخدمات الأساسية.
ثانياً، الساحل الغربي: كان التقدم نحو المخا وذباب ومحيط باب المندب خلال سبتمبر من أبرز التحولات، فالمليشيات الحوثية لا تسعى إلى توسيع مناطق سيطرتها فحسب، بل إلى امتلاك أوراق ضغط استراتيجية مرتبطة بالملاحة الدولية وخطوط الإمداد، ومن وراء ذلك الحرس الثوري الإيراني، ونقل المعركة خارج الحدود الإيرانية. ورغم أن هجوماً مضاداً حاول استعادة مواقع على ساحل باب المندب، ووصل إلى مناطق في مديريات ذوباب، فإن هذا الهجوم المضاد لقوات العمالقة ودرع الوطن لم يتمكن، بالتعاون مع القوات الحكومية في محور طور الباحة ومحور تعز والمقاومة الوطنية، من استعادة المخا أو فك الحصار عن المدينة، مما يعني أن المكاسب الحوثية لم تُعكس بالكامل حتى الآن. وقد ربطت تقارير مختلفة بين هذه الاختراقات وضعف التنسيق بين قوات العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الوطنية ومحور تعز، وتعدد سلاسل القيادة، وغياب قيادة عمليات مشتركة فاعلة.
ثالثاً، المقاطرة وطور الباحة: هذه أخطر الحلقات، إذ وضع التقدم نحو المقاطرة والاشتباكات في محيط طور الباحة الطريق الرابط بين تعز وعدن أمام تهديد مباشر. ونقلت وكالة رويترز في 2 نوفمبر عن مصادر عسكرية أن الحوثيين سيطروا على مديرية المقاطرة وتقدموا باتجاه معسكر عند مدخل طور الباحة، ليقتربوا نحو 80 كيلومتراً من عدن. لكن روايات ميدانية أخرى، من بينها ما نشرته الجزيرة في اليوم نفسه، تحدثت عن تصدٍّ حكومي لهجمات في طور الباحة والأقروض، ما يعني أن المشهد ما زال متغيراً، ولم تستقر السيطرة الحوثية بالضرورة على جميع المواقع. والخلاصة أن الحوثيين نجحوا في نقل الضغط من جبهات تعز والساحل إلى الممر الاستراتيجي المؤدي إلى عدن، وهي نقلة نوعية في طبيعة التهديد.
التغييرات العسكرية: معالجة اختلالات أم إعادة ترتيب نفوذ؟
في هذا السياق، تكتسب القرارات العسكرية الصادرة في 2 نوفمبر، ولا سيما القراران الجمهوريان (246) و(247)، أهمية تتجاوز تغيير الأسماء، حيث شملت التعيينات مجدي مناضل قائداً لمحور طور الباحة واللواء الأول درع الوطن، وبسام الحرق رئيساً للأركان وقائداً للواء الرابع، وناجي الشطاف رئيساً للعمليات، وتعيين رشاد اليوسفي عضواً في اللجنة العسكرية العليا ومسؤولاً عن جبهة تعز خلفاً ليوسف الشراجي. وتأتي هذه الخطوات بعد ترتيبات سابقة شملت تعيين حمدي شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، وإنهاء تكليف الشراجي بالإشراف على تعز وطور الباحة، وتسليم واستلام قيادة محور طور الباحة في يونيو.
ويمكن تفسير تسارع هذه التغييرات بثلاثة أسباب متداخلة: الأول، معالجة الاختلال في منظومة القيادة والسيطرة، إذ أظهرت التطورات أن تعدد التشكيلات وتباين ولاءاتها ومراكز قرارها أضعف القدرة على مواجهة الهجمات المتزامنة، خاصة بين المقاومة الوطنية ومحور تعز وألوية العمالقة ودرع الوطن. الثاني، إعادة تقييم المسؤوليات عن التراجعات الميدانية في الحجرية والمقاطرة والتربة وطور الباحة، وهو ما يقتضي مراجعة القرارات السابقة وتحديد المسؤوليات القيادية واللوجستية، لا الاكتفاء بتغيير الأسماء. الثالث، إعادة ترتيب النفوذ العسكري والسياسي، فالمناصب العسكرية، كالوزارية، ترتبط بتوازنات القوة داخل معسكر الشرعية، لكن نجاح ذلك يظل مرهوناً بإنتاج قيادة موحدة، لا بإعادة توزيع المناصب.
التعديل الوزاري: إدارة المعركة لا مجرد محاصصة
جاء القرار الجمهوري رقم (74) لسنة 2026 في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع إعادة ترتيب القيادات العسكرية في مناطق تشكل خط الدفاع عن عدن وتعز والساحل الغربي. وتعكس التعيينات محاولة لضبط التوازنات داخل معسكر الشرعية.
تعيين سالم أبوبكر العولقي وزيراً للإعلام، وهو شخصية قيادية مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، يحمل دلالة سياسية واضحة. فالحكومة تحتاج إلى خطاب إعلامي موحد يفسر التطورات ويحافظ على ثقة المواطنين ويواجه الحرب النفسية الحوثية، لكن الوزارة أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة التوازن السياسي.
وتعيين أحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية لا يقل أهمية، لأن الوزارة تتصل بإدارة المحافظات والسلطات المحلية والموارد والخدمات، وهي ملفات شديدة الحساسية في ظل التداخل بين السلطات المحلية والتشكيلات العسكرية ومراكز النفوذ. وفي ظل التهديدات التي تواجه لحج وتعز والساحل الغربي، تصبح الإدارة المحلية جزءاً من منظومة الصمود المؤسسي.
أما تعيين أكرم العامري في وزارة الخدمة المدنية، فيفتح مجالاً لإعادة تنظيم الجهاز الإداري، لكن نجاحه يتطلب تجاوز المحاصصة السياسية، ومعالجة الاختلالات الوظيفية والمالية، وتعزيز كفاءة المؤسسات.
لماذا يحقق الحوثيون مكاسب رغم التغييرات؟
لا يُفسر التقدم الحوثي بالتفوق العسكري وحده، بل بعوامل متداخلة: غياب قيادة عملياتية موحدة وتضارب سلاسل القيادة؛ وتحويل الجغرافيا إلى سلاح عبر السيطرة على المرتفعات وعقد الطرق؛ وضعف التكامل بين القوات البرية والإسناد الجوي؛ وتوظيف الانقسامات السياسية والعسكرية داخل معسكر الشرعية. وهنا تكمن المفارقة، فبينما تنشغل مكونات الشرعية بإعادة ترتيب مواقعها داخل السلطة، يستثمر الحوثيون الوقت لإعادة رسم خطوط السيطرة على الأرض.
السيناريوهات والأولويات
أمام هذه التطورات، يبدو السيناريو الأول هو احتواء الاختراقات واستعادة المبادرة، ويتطلب توحيد القيادة العسكرية في تعز ولحج والساحل الغربي، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، وتأمين طرق الإمداد، وإعادة تنظيم القوات وفق متطلبات المعركة، بدعم سياسي ولوجستي مستمر. أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الاستنزاف والتراجع التدريجي إذا بقيت التغييرات في إطار تدوير المناصب دون معالجة الاختلالات، ما قد يسمح للحوثيين بمواصلة الضغط على المقاطرة وطور الباحة وتهديد الطرق المؤدية إلى عدن، مع استمرار حصار تعز. والسيناريو الثالث هو اتساع المعركة إلى مواجهة استراتيجية إذا نجح الحوثيون في تثبيت مواقعهم الجبلية المطلة على خطوط الاتصال بين تعز وعدن، بما يهدد المناطق المحررة مباشرة، ويمنحهم مواقع في محيط باب المندب أوراق ضغط إقليمية ودولية.
ومن هنا، فإن التحدي الذي تواجهه حكومة الزنداني ليس استكمال تشكيلتها أو تحقيق توازن سياسي فحسب، بل إثبات قدرتها على إدارة الدولة في ظروف الحرب. ويتطلب ذلك توحيد القرار العسكري والأمني تحت مؤسسات الدولة، ومعالجة اختلالات القيادة والسيطرة، وتأمين الطرق وفك الحصار عن تعز، وإعادة تنظيم القوات على أساس الكفاءة والجاهزية لا الانتماء السياسي، وضبط الموارد والإيرادات، وبناء خطاب سياسي وإعلامي موحد.
خاتمة:
يكشف التزامن بين التعديل الوزاري والتغييرات العسكرية أن الشرعية تمر بمرحلة إعادة ترتيب داخلية شديدة الحساسية. لكن المكاسب الحوثية في أرياف تعز والساحل الغربي، والتهديد المتزايد للمقاطرة وطور الباحة والطريق إلى عدن، تؤكد أن المشكلة أعمق من توزيع المناصب. فالحوثيون يستثمرون الانقسام السياسي والعسكري، ويوظفون الجغرافيا والمرتفعات لفرض معادلات ميدانية جديدة، بينما لا تزال القوى المناهضة لهم تواجه صعوبة في تحويل تعدد قدراتها إلى قوة موحدة.
أخطر ما يواجه الشرعية ليس خسارة موقع عسكري هنا أو جبهة هناك، بل أن تتحول التراجعات الميدانية إلى نتيجة مباشرة لاستمرار الانقسام في القرار السياسي والعسكري. فالدولة لا تُستعاد بالمحاصصة، والجبهات لا تُحمى بتدوير المناصب، والشرعية لا تُقاس بعدد ممثلي المكونات في الحكومة، بل بقدرتها على فرض سلطة الدولة وتوحيد قرارها ومواجهة المشروع الحوثي. والسؤال الحاسم ليس: من حصل على هذه الوزارة أو ذلك المنصب العسكري؟ بل: من يملك القرار، ومن يدير المعركة، ومن يتحمل مسؤولية حماية ما تبقى من المناطق المحررة؟
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني