«حوض السبعتين» والغاز الصامت.. العملاق الذي ينام تحت رمال مأرب وشبوة

«حوض السبعتين» والغاز الصامت.. العملاق الذي ينام تحت رمال مأرب وشبوة
مشاركة الخبر:

في قلب الجغرافيا اليمنية الممتدة بين كتمان الصحراء ووعورة الجبال، يقبع واحد من أهم الأحواض الجيولوجية والرسوبية في شبه الجزيرة العربية: «حوض السبعتين». حوضٌ امتدت تراكيبه التكتونية العميقة بين محافظتي مأرب وشبوة، ليختزن في أعماقه ثروة طاقوية ضخمة طالما وُصفت بـ«الغاز الصامت»؛ ثروةٌ تملك قدرة إعادة ترتيب موقع اليمن على خارطة الطاقة الإقليمية والدولية، لو حظيت بالتأمين والتطوير الكافيين.

أولاً: الخارطة الجيولوجية والأرقام غير المكتشفة
يُمثل حوض السبعتين (Saba’atayn Basin) المنظومة الرسوبية الرئيسية الموردة للنفط والغاز في المنطقة، ويرجع تاريخ تكوّنه إلى العصور الجيولوجية القديمة (الجوراسي والطباشيري).

الاحتياطيات المؤكدة والمقدرة: بين علم الجيولوجيا ومسوح الشركات الدولية، تُظهر بيانات القطاعات البترولية أن الاحتياطيات المؤكدة سابقاً لـ«مشروع الغاز الطبيعي المسال» كانت تُقدّر بـ9.15 إلى 10 تريليونات قدم مكعب. إلا أن تقارير المسوح السيزمية (رباعية الأبعاد) والمسوحات غير المعلنة الصادرة عن شركات مساهمة ودولية تشير إلى أن الحوض يختزن إمكانات وتراكيب غازية كبرى تتجاوز 18 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، شاملةً الغاز المصاحب والغاز الحر في الطبقات العميقة (مثل تكوينات «نايف» و«مَدَبي» و«كحلان»).

البُعد الإقليمي: الوصول الاستثماري إلى هذه الأرقام (18 تريليون قدم مكعب) يضع اليمن استراتيجياً ضمن مصاف الدول المصدرة ذات الوزن التنافسي في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط.

ثانياً: شريان «بلحاف».. تجربة تصديرية مكبّلة
تجلّت أهمية هذا الحوض عملياً عند تدشين مشروع «الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال» (Yemen LNG).

أنبوب الموت والحياة:
شُيّد أنبوب رئيسي يمتد لنحو 320 كيلومتراً لربط وحدة المعالجة المركزية وحقل «أسعد الكامل» في مأرب بمرفأ بلحاف على ساحل شبوة، عبر خط بقطر 38 إنشاً.

محطة بلحاف:
صُممت المنشأة في بلحاف بطاقة إنتاجية تبلغ 6.7 مليون طن متري سنوياً، عبر خطي إنتاج، ما جعل اليمن لفترة وجيزة تحتل مرتبة متقدمة كأحد مصدري الغاز المسال للأسواق العالمية في آسيا وأوروبا.

الشلل والتجميد:
لم تتجاوز التغطية الاستثمارية جزءاً يسيراً من قدرات الحوض الجيولوجية؛ وقبل أن ينطلق الاستغلال الكامل لحوض السبعتين، اصطدم المشروع بالواقع السياسي والأمني منذ عام 2015، مما أدى إلى تعطل عمليات التصدير وتوقف تطوير القطاعات الغازية الواعدة.

لماذا يُسمى بـ«الغاز الصامت»؟
تعود تسمية ثروة حوض السبعتين بـ«الغاز الصامت» إلى عدة عوامل صحفية وجيولوجية:

التعتيم والسرية:
التكتم الذي صاحب نتائج العديد من مسوحات الاستكشاف البترولي التي أجرتها شركات أجنبية لم يُشفَع بإعلانات رسمية شفافة تتناسب مع حجم المخزون الحقيقي.

إعادة الحقن (Gas Re-injection):
عقود طويلة ظلت فيها التكنولوجيا النفطية تتركز على استخراج النفط الخام، مع إعادة حقن كميات هائلة من الغاز في الآبار لزيادة الضغط، بدلاً من معالجته وتسييله وتسويقه كمنتج مستقل قائم بذاته.

غياب البنية التحتية المحلية:
عدم استثمار الغاز محلياً لتشغيل محطات الكهرباء ومصانع البتروكيماويات بشكل كافٍ لإنهاء أزمات الطاقة الوطنية، وظل هذا المخزون راكداً في الصحراء.

متطلبات التحول من «المخزون الصامت» إلى «المحرك الاقتصادي»
إن تحويل حوض السبعتين من مجرد تراكيب جيولوجية غازية إلى شريان اقتصادي سيادي يستلزم محاور جوهرية:

التأمين الاستراتيجي والحوكمة:
تحييد المنشآت النفطية والغازية (من مأرب مروراً بشبوة وحتى ميناء بلحاف) عن الصراعات المسلحة، وتوفير بيئة أمنية ضامنة للشركات والاستثمارات الأجنبية.

تحديث وتوسعة البنية التحتية:
إنشاء محطات كبس ومعالجة جديدة، وبناء خطوط أنبوبية فرعية لتزويد جميع المحافظات بالغاز لتوليد الكهرباء رخيصة الكلفة، بدلاً من الاعتماد على الوقود الثقيل والديزل المكلف.

إعادة بناء الثقة مع المستثمرين:
تحديث اتفاقيات إنتاج الغاز وتطوير القطاعات غير المستكشفة في الحوض (مثل القطاع 18 والقطاعات المجاورة له في الجوف وشبوة)، لرفع الطاقة الإنتاجية للغاز المسال واستغلال سعة خطوط النقل بالكامل.

ختاماً:
يبقى «حوض السبعتين» وثيقة جيولوجية تُثبت أن اليمن ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل هو بلد غني بالثروات المعطلة. وإن تفعيل هذا العملاق الغازي وتأمينه بالشكل الذي يتيح معالجة وتصدير أكثر من 18 تريليون قدم مكعب كفيلٌ بنقل البلاد من وضع الانكماش والتدهور إلى مصاف الاقتصادات الواعدة والمؤثرة في سوق الطاقة العالمي.