بين الحرب والتسوية .. هل يبقى الحوثي سيفاً مسلطاً على اليمن والسعودية؟

منذ 6 ساعات
مشاركة الخبر:

تقف المنطقة أمام مفترق طرق بين استمرار المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والانتقال إلى تفاهمات سياسية تنهي الحرب وتعيد ترتيب التوازنات الإقليمية. وتبدو فرص التسوية أكثر حضوراً في ظل الضغوط الداخلية الأمريكية، وارتفاع كلفة الحرب، والتحركات الدبلوماسية التي تقودها قطر وباكستان، ورغبة واشنطن في الخروج من المواجهة دون الظهور بمظهر الطرف المهزوم رغم وجود مؤشرات كثيرة ان أمريكا وإسرائيل ستشن حرب عسكرية على إيران وكسر تهديد الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

لكن السؤال الأهم بالنسبة لليمن والسعودية: هل يعني التوصل إلى اتفاق أمريكي مع إيران انتهاء التهديد الحوثي، أم أن المنطقة ستنتقل من حرب إقليمية مفتوحة إلى صراع يمني أكثر تعقيداً؟

من الصعب افتراض أن إضعاف إيران عسكرياً سيؤدي تلقائياً إلى هزيمة الحوثيين؛ فالعلاقة بين الطرفين تتجاوز الدعم العسكري والسياسي، لكنها لا تعني أيضاً أن الحوثيين مجرد أداة إيرانية فقط يمكن لطهران التخلي عنها متى اقتضت مصالحها ذلك فمحور العلاقة تعتمد على الرؤية الإيرانية المتأصلة لدى ايران منذ هزيمتها في حرب الثمان سنوات مع العراق وعدم الدخول في حروب مباشرة واستخدام نظرية الاذرع في المنطقة العربية وبعد سقوط نظام بشار الاسد في سوريا والانكسارات المتتالية لحزب الله في لبنان، أصبح الذراع الحوثي هو فرس الرهان لدى الحرس الثوري إلايراني ولذا سيستمر الدعم بكل اشكاله واستحالة التفريط به. ومن ناحية اخرى فقد راكمت الجماعة الحوثية كل القدرات العسكرية والنفوذاً السياسي واصبح لديها مشروعاً خاصاً للسيطرة على اليمن مستنسخ من نظام ولأية الفقيه الايراني بل يمكن القول انها اكثر وحشية منه، وأصبحت المليشيات الحوثية تنظر إلى موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية والبحرية والمسيّرات باعتبارها أوراق قوة في مواجهة الشرعية و السعودية والمجتمع الدولي.

ومن هنا، فإن أي اتفاق أمريكي إيراني لا يتضمن معالجة التهديدات الإقليمية للنظام الإيراني، ووقف نقل السلاح والتكنولوجيا العسكرية إلى الحوثيين، فانه سيترك المشكلة اليمنية قائمة، وربما يمنح الجماعة فرصة لتعزيز مكاسبها السياسية والعسكرية، ولا يمكن للشرعية و لا للسعودية أن تقبل بتسوية تنهي حرب إيران، لكنها تُبقي الحوثيين قوة عسكرية تمتلك القدرة على تهديد أمنها ومنشآتها الحيوية وممرات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومع ذلك، فإن هزيمة الحوثيين لا تعني بالضرورة القضاء عليهم عسكرياً، بل إنهاء قدرتهم على فرض إرادتهم بقوة السلاح، وإخضاع التشكيلات العسكرية لسلطة الدولة ومؤسساتها وامكانية التسليع الامني. وهذه مهمة لا تستطيع السعودية إنجازها وحدها، ولا يمكن تحقيقها بالضربات الجوية أو المفاوضات المنفردة، وإنما ببناء قوة يمنية وطنية موحدة تمتلك القرار والقدرة على استعادة المبادرة وتحرير المحافظات والعودة إلى العاصمة صنعاء.

وهنا تبرز مسؤولية الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، فهل تمتلك الشرعية القدرة على هزيمة الحوثيين عسكرياً؟ 
من حيث المبدأ، نعم، لكنها لا تمتلك هذه القدرة بصورتها الحالية، في ظل تعدد التشكيلات العسكرية، وتضارب مراكز القرار، وضعف القيادة والسيطرة، وغياب استراتيجية موحدة لإدارة المعركة، فالتفوق العسكري لا يُقاس بحجم الدعم الخارجي وحده، وإنما بقدرة القيادة على تحويل الموارد والإمكانات إلى قوة منظمة ونتائج ميدانية وبدون هزيمة المليشيات الحوثية عسكريا والسيطرة على السواحل اليمنية والجزر وبخاصة تحرير محافظات حجة و الحديدة وتعز بالكامل وحصر الحوثي في محافظة صعدة، فان الحوثي لن يتوقف عن محاولة السيطرة على مؤسسات الدولة اليمنية ومقدراتها ومهاجمة دول الخليج العربي وبخاصة المملكة العربية السعودية.

وما تحتاجه المرحلة هو انتقال السعودية من دعم الشرعية بصورتها التقليدية إلى شراكة استراتيجية فاعلة في توحيد قرارها السياسي والعسكري، وبناء مؤسسة قيادة يمنية قادرة على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة، مع الحفاظ على مسؤولية الدولة اليمنية عن قرارها وسيادتها.

إن الخيارات المقبلة تتراوح بين تسوية إقليمية تضع حداً للحرب وتفتح مساراً لمعالجة الملف اليمني، أو استمرار المواجهة وتوسع التهديدات البحرية والعسكرية، أو اتفاق أمريكي إيراني يترك السعودية أمام تحدٍّ يمني مستقل وأكثر تعقيداً.

وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن تتحول التسوية مع إيران إلى اعتراف بالأمر الواقع الحوثي، ولا أن يصبح الحوثيون سيفاً مسلطاً على السعودية تحت غطاء اتفاق إقليمي.

فالسلام الذي لا ينهي التهديدات العسكرية ولا يعيد للدولة اليمنية احتكار القوة ليس سلاماً مستداماً، وإنما هدنة تؤجل الحرب وتترك أسبابها قائمة. والسعودية لا تحتاج إلى حرب مفتوحة بلا نهاية، كما لا تستطيع القبول بسلام يبقي حدودها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية رهينة القرار الحوثي.

*أكاديمي ومحلل سياسي يمني