الحرب وهجرة اليمنيين القسرية

02:09 2019/09/18

ردينا نبيل العدني
تشير بعض المعلومات إلى أن قرابة عشرة ملايين من اليمنيين غادروا اليمن إلى بلدان العالم، ثلاثة ملايين منهم فقط إلى دول الخليج المختلفة، ومليونان إلى مصر.. والبقية موزعون على أصقاع العالم.
 
كم هي مؤلمة الحرب، كم هي مدمرة.
 
إن فراق الأوطان ليس بالأمر الهين والسهل.. لما هاجر قصي الغفاري إلى المدينة، كان الرسول عليه السلام يموت شوقاً إلى مكة، فسأل قصي: كيف هي مكة يا قصي؟
- فبدأ قصي يتكلم عن جمالها وهوائها وأهلها، وحكايات مكة التى لا تنتهي..
وبدات الدموع تتجلى في عيون الرسول، وقال ويحك يا قصي لا تبكينا، دع القلوب تقر قرارها.
 
إنه ألم الفراق الذي لا يصبر عليه حتى الرسل والأنبياء.. فللأوطان معزة خاصة لكل نفس.
 
لقد أجبر شعب يمني كامل أن يغادر قراه ومدنه وأصبح البلد في هجرة داخلية.. وأماكن للنازحين تنتشر في مختلف محافظات اليمن.
 
ويلات الحرب جعلت المواطنين يفرون إلى الأرياف، في هجرة داخلية، وهؤلاء هم الباقون في اليمن الذين لم يستطيعوا مغادرتها نظراً للحالة المادية التي يمرون بها
وعدم قدرتهم على تكاليف السفر والترحال والإقامة أو العمل في بلدان أخرى..
 
أما الذين استطاعوا أن يجمعوا ما استطاعوا جمعه من أموال وبيع متعلقاتهم وممتلكاتهم، فقد فضلوا نعمة الأمن والأمان على نعمة الأوطان، وذهبوا إلى كل أصقاع العالم.. ربما لا يوجد بلد في العالم لم يصله يمني في ظل سنوات الحرب.
 
ناهيك أن اليمن بطبيعتها بلد لديه مغتربون في كثير من دول العالم. ولكنه كان اغترابا اختياريا لتحسين مصادر العيش والحصول على فرصة عمل، أما الاغتراب الحالي فهو أشبه بتهجير قسري بحثا عن الأمن وتعليم الأولاد.
 
دول الخليج استقبلت ما يقارب ثلاثة ملايين بعضهم يعملون وبعضهم لا يعملون.
 
مصر الكنانة، بحسب تصريح أحد وزرائها، فإن تعداد اليمنيين قريب من اثنين مليون معظمهم في ظروف صعبة، حيث لا تتوافر أعمال في مصر وتغيب الجمعيات التى ترعى شؤونهم.
 
في الحقيقة لا يعرف الوطن وأهمية الوطن وحنين الوطن إلا من عرف الغربة..
حتى القرآن الكريم جعل لآلام فراق الوطن نوعية خاصة من الألم شاقة جداً. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}.
 
وحتى في العقوبات السياسية يأتي النفي من الوطن كعقوبة مباشرة بعد عقوبة الإعدام، إنه إعدام من نوع آخر.
 
سنعاني طويلاً من ويلات الحرب وأضرارها.. وسينتظر هؤلاء المهاجرون زمناً طويلاً.. وستتربى أجيال يمنية في الخارج لن ترى الوطن بسهولة، بعضها سينصهر بعادات وتقاليد الدول التي سيظلون فيها، سيأخذون عادتها وتقاليدها.
 
تبقى اليمن بالنسبة لهم عبارة عن سطر في ذاكرة التاريخ
أو قصة جميلة ترويها الأم والأب والأخ ممن عاشوا فترات في اليمن قبل الحرب لا سيما تلك الأيام الجميلة.
 
لكن الجيل الجديد الذين ولدوا في الحرب وغادروا اليمن صغاراً لن يذكروا إلا تلك المدافع والقذائف التي سمعوها، ولتي أيقظتهم من نومهم ذات ليلة أو أفزعتهم ذات صباح،
أو الأشلاء التي رأوها أو الدماء التي شاهدوها في أزقتهم، أو الصغار من الأصدقاء الذين فارقوا الحياة بسبب الحرب، أو بعض الأقارب والأجداد الذين فقدوهم...
 
ستبقى ذكرى الحرب عالقة بالمغتربين الصغار.. وستبقى ذكرى الحرب أليمة على الكبار الذين تركوا الأهل والوطن والمال وتغيرت أحوالهم، وأصبحوا أشبه بأعزاء قوم أذلتهم الحرب.
 
تبقى هذه الحرب من أوقح ما عرفه التاريخ اليمني الحديث والقديم، وإلى أن نتعافى منها ويعود المغتربون إلى أوطانهم سنكون مع زمن آخر ربما جيل آخر ليس بالقريب..
 
نتمنى أن لا تطول فترة الحرب وأن يوجد الفرقاء فرصة للسلام.
 
سألت قريباً لي مغترباً: كيف تقاومون الغربة؟
قال: بأغاني محمد سعد. كلما سمعنا أغنيته:
"قلبي مع الشوق في درب الهوى جوال
ليل النوى غربة سفر وأبعاد"
نبكي ونتذكر الوطن ونحلم بيوم نعود إليه، إنه الأمل الذي يجعلنا نقاوم الغربة.
 
ذهبت للبحث عن أغنية محمد سعد عبدالله استمعت إليها
وعرفت كم هي معبرة.. واخترت بعض أبياتها لهذا الختام:
قلبي مع الشوق جوال
قلبي مع الشوق في درب الهوى جـوال
وأنـا مع الشوق في درب الهـوى جـوال
بامشي لآخر مدى عمري وأنـا جوال
ما همـني الشوك يدميني ولا النـار
جـوال، باكمل المشوار
ليل النـوى، ياهوى! غربة سفر وأبعاد
فيـه الظمأ والجوى من غير ماء أو زاد
جـوال ماباشـتكي غدر الزمان لو جار
جوال عمري وانـا زي الفلك دوار
ما همني الشوك يدميني ولا النار.
 
وإلى لقاء في حكاية جديدة...