إنهم يتحسرون على الزعيم الصالح .. 11 فبراير.. من نكبة إلى كارثة ودولة في مهب الريح
تقبل علينا نكبة 11 فبراير، وهي تجرُّ خلفها المآسي التي يعيشها اليمنيون داخل الوطن في ظل أوضاع متدهورة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًّا، كاشفة النوايا السيئة لعصابات الساحات، أبطالها من الإخوان والحوثي ممن قادوا البلد إلى المجهول في حرب لانهاية لها.
اليوم بعد 13 عامًا من عمر الكارثة لم يبق أمام اليمنيين المغلوبين على أمرهم إلا أن يعيشوا ذكرى ما كانت عليه اليمن قبل النكبة، وما وصل إليه من ضياع وشتات وفقر.. يتذكرون كيس القمح، وضياع الدولة التي قادها الزعيم الشهيد علي عبد الله صالح بكل حكمة واقتدار .
هاهم اليوم يتساءلون في حسرة: كم كان سعر الأرز والسكر والقمح، وأين صار سعره المتصاعد؟! وقس عليه باقي السلع.
كانوا يقولون: "ارحل وسيعود المغترب.. ارحل وستأتي الكهرباء.. حتى أن مهرج الساحات فهد القرني سأل من هم في الساحات: هل تعلمون كم سعر القمح؟! ليرد عليه القطيع من المغرر بهم بـ 3000.. ويضرب على رأسه، قائلًا: سوف يصعد إلى 4000 ريال.
اليوم، انتحل رتبة عسكرية يحصل عليها خريجو الكليات بعد عناء وجهد في الميدان.
لماذا لا يوجه نفس السؤال: بكم سعر كيس القمح؟! يخشى أن يُرمى بالأحذية، وهم يقولون: صار سعره يزيد عن 40 ألف ريال، أي راتب شهر موظف صغير!!
وأين صاحب مقولة "أحرجتمونا"؟!.. لماذا توارى عن الأنظار وفضل العيش في القصور بين الدَّسم، بينما هناك من يأكل من براميل القمامة؟!
أين صعتر وتوكل، وقائمة طويلة ممن باعوا الوطن بثمن بخس؟! .
الصحفي محمد عبده سفيان نشر صورة لقطمة رز عشرة كيلوجرامات بسعر 24 ألف ريال، واضعًا تعليق "أحرجتمونا"، الكلمة الشهيرة في ساحة التغيير لعبد المجيد الزنداني القيادي الإخواني.. نعم أحرجونا بالأسعار الخيالية، وهم من وعدوا شباب الساحات بجنة النعيم بعد إسقاط النظام .
يقول عبد السلام الدعيس، ناشط حقوقي: أين كنا، وإلى أين وصلنا؟!
الناس تموت من الجوع نتيجة الفقر المدقع، بينما قيادات الساحات الذين شوهوا كل جميل يعيشون في رفاهية، هم وأبناؤهم، نهبوا الدولة بعد زعزعة نظامها وتسلقوا إلى أعلى المناصب العليا، وصار خطيب الساحات يحتل أعلى المناصب، بينما أصحاب الكفاءات تم تهميشهم، وأصبحوا في بيوتهم يشاهدون الدمار الذي حل بوطنهم الذي ظل متماسكا على مدى ثلاثة عقود من الحكم الرشيد في ظل قيادة الزعيم علي عبد الله صالح.
اليوم، أصبح راتب الواحد منهم يصل إلى ما قيمته ثمانين راتب أستاذ جامعي، وأصبحت الدولة تُدار من فنادق بالخارج.
وزراء ووكلاء ومحافظون تركوا وطنهَم، وفضلوا العيش بالرياض وقطر وأنقرة والقاهرة ودول أوروبية، ويتقاضون رواتب بالدولار، بينما من في الداخل لا يتسلمون رواتبهم بشكل منتظم بعد أن مكنهم 11 فبراير من استثمار المرحلة وحالة الفساد.. رتبوا أوضاعهم وأوضاع أبنائهم في فيلَّات وقصور فارهة، يمتصون خزائن البنك المركزي التي وصلت إلى حالة الإفلاس، لا تعيش إلا من خلال الودائع والهبات واستجداء المنظمات الدولية، وبات اليمني العزيز يتسول لقمة العيش.
أستاذ الاجتماع السياسي كمال عبد الرحمن، يرى أن "فبراير الأسود" سلم البلد للحوثيين، ليدخل في انتكاسة ودموية وفراغ دستوري وحرب أهلية يتطاير شررها في كل مكان.. ما أهان السيادة الوطنية وحعلها علصمة لطهران، تدار من صنعاء المؤامرات المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة، واستجلاب البوارج العسكرية إلى البحر الأحمر، بإنهاء دور باب المندب كأهم ممر لحركة السفن العالمية.. لم تعد الشرعية تسيطر عليه وأدخل البلد في أزمة تلو أخرى، ولا شيء يلوح في الأفق سوى المزيد من العبث وانكشاف كثير من المآسي والفساد.
في 21 سبتمبر 2014، مرحلة انقلاب الحوثي على السلطة، واجتاح مسلحوها العاصمة صنعاء، وأحكموا قبضتهم على مؤسسات الدولة وحاصروا الحكومة، وأدخلوا البلاد في فوضى عارمة، أعقبتها حرب لا تزال تدور رحاها حتى اليوم، خلفت آلاف القتلى والجرحى، وواقعًا أشد بؤسًا على كافة المستويات .
من شاركوا في فبراير ووجدناهم في الساحات يعضون أنامل الندم بعد أن وصلوا إلى حقيقة أنهم كانوا عبارة عن "أراجوزات" تلاعب بهم أصحاب المصالح، لسان حالهم يقول: "سلام الله على عفاش".
يقول حسن القاضي: كنت في الساحة أخرج مع المتظاهرين، نصرخ: "ارحل، ارحل". وتلتقط لنا الصور ونحن ممرغون بالطلاء، وتلتقط لنا الصور، والحقيقة أننا كنا مجموعة، تلقينا تدريبات في كيفية الصراخ، وإظهار التعبير عن الألم والمعاناة، وكان ما نقوم به تمثيل في تمثيل، مقابل مبالغ مالية.. اليوم نحن لا نحتاج أن نمثل، وإظهار تعابير الألم، فقد أمسينا نعيش تفاصيله يوميًا بعد أن شُرِّدنا من منازلنا، وفقدنا أعمالنا، يطاردنا الغلاء ورفع الأسعار.
حياة صعبة، مهما صرخنا لا أحد يسمع صوتنا لأن القائمين على الحكم يطلقون على أنفسهم ثوارًا، وقيادات الساحات صعدوا على ظهورنا إلى الحكم وتركوا المواطن يتضور جوعًا.
وتضيف الأستاذة سهام أم محمد، إحدى ناشطات ساحات التغرير، بالقول: الأيام أثبتت أن المستفيدين من فبراير هم مليشيتا الإخوان والحوثي، الذين نخروا في أعمدة الدولة إلى أن أسقطوها، على الرغم من أن مبادرة السلم والشراكة سعت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن المخطط كان أكبر يهدف إلى تلاشي الدولة وصعود المتسلقين إلى كرسي الحكم بأجندات خارجية.
فقد أتاحت النكبة المجال للإخوان للتربع في كافة مفاصل الدولة.
وشهدت اليمن أكبر عملية إقصاء وإحلال قيادات موالية بلا خبرة دمرت ما تبقى من دولة لينتهي بها المطاف إلى تسليمها على طبقٍ من فضة إلى مليشيات الحوثي.
من نكبة إلى كارثة حلّت على رؤوس اليمنيين، ضاعت الدولة وتبخرت الأحلام، ولم يتبق لنا سوى التحسر على دولة ذهبت في مهب الريح.