شرعية الشعب.. لا صكوك الفنادق

منذ 46 دقيقة
مشاركة الخبر:

المتعارف عليه أن الأوطان ليست حقائب تُنقل بين العواصم البعيدة، ولا الشرعيات أوراق اعتماد تُمدّد على طاولات الفنادق، وصكوك مُفرغة من المصداقية ولا تعيش أوجاع وطن وشعب.  
هناك فرقٌ قاتل بين من يعيش الوطن ومن يُديره عن بُعد، وبين من يختبر وجعه يوميًا ومن يكتفي بوصفه عبر الشاشات.

فالمشكلة الأزلية والقاتلة التي تعاني منها النخب السياسية العربية، وفي اليمن على وجه الخصوص، ليست مجرد سوء تقدير سياسي، بل اغتراب كامل عن نبض الواقع وفجوة سحيقة بين الواقع والنخب. إنها حالة عيشٍ في جزر معزولة عن الأرض، حيث يُعتقد ـ على نحوٍ واهن ـ أن إدارة الأوطان وإطفاء حرائقها الكبرى يمكن أن تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو البريد الإلكتروني، أو من خلف جدران الفنادق الفاخرة العازلة للصوت والوجع.

ومن هنا، تُدار المشاهد السياسية في تلك المنافي الاختيارية ببيانات تضامن دولي، وبروتوكولات سفارات، واعترافات دبلوماسية تُطبخ على نار هادئة في عواصم بعيدة، بينما على الأرض ينفجر واقعٌ آخر أكثر قسوة، واقعٌ لا يعرف المجاملات ولا ينتظر المؤتمرات، بل يفرض نفسه كحقيقة عارية لا يمكن تجميلها.

هذا ما التقطته من خطاب السفير أحمد علي عبد الله صالح الأخير بمناسبة ذكرى الوحدة اليمنية؛ إذ لم تكن عبارته التي قال فيها إن "شرعية أي سلطة تستمد قوتها من حضورها في الوطن والتصاقها بالمواطن" مجرد جملة بروتوكولية عابرة، بل كانت ـ في جوهرها ـ رسالة سياسية مكثفة، مشحونة بالدلالة، وموجّهة بوضوح إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية الحالية.

وهنا تتكشف الرسالة الأعمق: الشرعية ليست امتيازًا يُمنح، بل التزامٌ يُمارس، وليست صكًا دوليًا، بل علاقة يومية مع الناس تُختبر كل صباح في تفاصيل الحياة.

الرسالة السياسية هنا لا تحتمل الالتباس، ومفادها أبسط مما يبدو وأشد قسوة في آن واحد: لا يمكن إدارة وطنٍ ينهار من ردهات الفنادق، ولا يمكن قيادة شعبٍ من وراء البحار، ولا يمكن صناعة ثقة من مسافة آمنة تفصل بين القرار والألم.

لقد سقطت، منذ زمن بعيد، تلك الفرضية البائسة التي اختزلت الشرعية في اعتراف خارجي أو ختم دبلوماسي. فالشرعية الحقيقية لا تُصاغ في وثائق الأمم المتحدة، لكنها تُكتب في تفاصيل الحياة اليومية: في الشارع المظلم، في المستشفى المتهالك، وفي طوابير الخبز التي تختصر وجع أمة كاملة وصبرها الثقيل.

ومن ثمّ، فإن السؤال ليس نظريًا ولا ترفًا سياسيًا: ما قيمة الاعتراف الدولي إذا كان المواطن يعيش خارج حدود الكرامة؟ وما جدوى القاعات المكيفة إذا كان الناس في الداخل يواجهون الغلاء والانقطاع والفقر كقدرٍ يومي لا مهرب منه؟

وليس ذلك فحسب، بل إن بقاء القيادات السياسية خارج البلاد، أياً كانت المبررات، يخلق فجوة وجدانية وسياسية تتسع بصمت، حتى تتحول إلى قطيعة كاملة مع الواقع. فالمواطن لا يبحث عن مسؤول يواسيه من شاشة، بل عن حضورٍ حقيقي يشارك تفاصيله، ويقف في قلب المشهد لا على هامشه، ويكسر المسافة بين القول والفعل.

إن الشرعية لا تُقاس بعدد البيانات، ولا بكمّ التصريحات، بل بمدى الالتصاق بالناس. وكلما ابتعدت السلطة عن الأرض، اقتربت من فقدان معناها الأخلاقي والسياسي، وتحولت إلى كيانٍ رمزي يُدار من الخارج أكثر مما يُمارس في الداخل، كصوتٍ بلا جسد، أو ظلّ بلا ملامح.

وفي الحالة اليمنية، تتضاعف الأزمة؛ إذ لا تتعلق فقط بالغياب الجغرافي، بل بخلل أعمق في البنية الدستورية نفسها. فالحكومة الحالية، ومنذ تشكيلها، لم تُعرض على مجلس النواب، ولم تقدّم برنامجها السياسي والاقتصادي وفق الأطر الدستورية المعروفة، رغم أن النص الدستوري واضح في إلزام أي حكومة بالحصول على الثقة خلال مدة محددة.

ومع تجاوز تلك المدد دون مساءلة حقيقية، ومع استمرار غياب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عن عدن لأشهر طويلة، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: من أين تُستمد الشرعية اليوم؟ ومن يُمسك فعليًا بميزان القرار داخل الدولة؟

أهي مؤسسات دستورية تعمل من الداخل، أم إدارة سياسية تُدار من الخارج وتكتفي بتدوير البيانات؟

أزمة الشرعية لم تعد مرتبطة فقط بالاعتراف الدولي، بل أصبحت مرتبطة ـ وبشكل أخطر ـ بمدى احترام الدستور، وبمدى وجود السلطة بين الناس لا فوقهم أو خارجهم.

اليمن ،اليوم، لا يحتاج إلى شرعية تُدار من العواصم البعيدة، بل إلى شرعية تُولد من الأرض، من الألم اليومي، من تماسّ مباشر مع حياة الناس لا من تقارير تُكتب عنهم من خلف الزجاج.

إنها لحظة اختبار حقيقية لا تقبل التجميل: إما شرعية تُبنى على الحضور والمساءلة، أو شرعية تتآكل بصمت حتى تتحول إلى فراغ سياسي واسع.

وختامًا، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة والأكثر وضوحًا وهي أن من يهرب من الناس لا يمكنه أن يحكمهم، ومن يعتصم بالفنادق لن يجد وطنًا يعود إليه، ومن لا يلمس الأرض لن يفهم معنى أن يكون جزءًا منها، ومن لا يعيش الوطن، لن يستطيع أن يدّعي تمثيله أو يحكمه.