تآكل مليشيا الحوثي وانكشافها.. بين رفض الداخل وصمت الخارج

 تآكل مليشيا الحوثي وانكشافها.. بين رفض الداخل وصمت الخارج
مشاركة الخبر:

تعيش مليشيا الحوثي الإرهابية اليوم واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014. فقد أصبح المشهد في مناطق سيطرتها أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ حيث تتزايد مؤشرات السخط الشعبي وتتسع دائرة الرفض ضد ممارساتها الطائفية والقمعية، ولم تعد الجماعة قادرة على التغطية على حجم النقمة التي تحاصرها من كل اتجاه. هذا التآكل المتسارع يعكس إدراكاً عميقاً لدى اليمنيين بأن الخلاص لن يتحقق إلا باستعادة الدولة وتحرير مؤسساتها وتوحيد الصفوف لمواجهة المشروع الكهنوتي الذي يهدد حاضرهم ومستقبلهم.

لم تعد جرائم مليشيا الحوثي تُمارس في الخفاء كما في السنوات الأولى من الحرب، بل باتت علنية، موثقة بالصوت والصورة، وعلى مرأى المجتمع الدولي. من تحويل المناسبات الوطنية إلى ساحات قمع واعتقالات جماعية، إلى مداهمة البيوت وإهانة المواطنين ومعاملتهم كأسرى حرب داخل وطنهم، تظهر الجماعة كل يوم وجهها الحقيقي ككيان معادٍ للشعب اليمني.

ورغم وضوح هذه الانتهاكات، لا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع الحوثيين ببرود يثير الاستغراب، متغافلاً عن حقيقة أن هذه الجماعة تستمد شرعيتها من خارج الحدود، وتحديداً من طهران، لا من إرادة اليمنيين. إن هذا التواطؤ بالصمت أو المهادنة يمثل خيانة صريحة للقيم التي طالما تشدّق بها العالم عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

على الجانب الآخر، يستمد اليمنيون قوتهم وإصرارهم من روح ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي مثلت لحظة مفصلية في تاريخ البلاد وميلاد الدولة اليمنية الحديثة. ورغم مرور أكثر من ستة عقود، لا تزال هذه الثورة متجددة في الوجدان الشعبي، حاضرة في كل علم يرفرف، وفي كل شعلة تُضاء، وفي كل هتاف يصدح ضد محاولات إعادة الكهنوت إلى السلطة.

إن صمود روح سبتمبر في وجه المشروع الحوثي يثبت أن جذوة الحرية التي أشعلها الأحرار الأوائل لم تنطفئ، وأن الشعب اليمني لا يزال يحمل في داخله الحلم ذاته: بناء دولة مدنية عادلة تقوم على المواطنة المتساوية لا على التمييز السلالي أو الطائفي.

رغم كل محاولات الحوثيين لفرض واقع جديد، إلا أن مشروعهم الطائفي فشل في التغلغل في وعي اليمنيين. فقد سعت المليشيا إلى التجهيل والتعبئة الطائفية، وتزوير التاريخ لإعادة إنتاج سردية الإمامة، والمتاجرة بالقضية الفلسطينية كوسيلة لابتزاز العاطفة الشعبية. لكنها في كل مرة كانت تصطدم بوعي متجذر في أذهان الناس، تشكّل عبر عقود من الانتماء لفكرة الدولة الوطنية الجامعة.

الشعب اليمني يدرك جيداً أن محاولات طمس الرموز الوطنية لن تنجح، وأن أوهام التفوق السلالي لا مكان لها في مجتمع بنى هويته على قيم المساواة والعدالة. كلما حاول الحوثيون طمس المعالم الوطنية أو إعادة صياغة الهوية على أسس طائفية، زاد تمسك اليمنيين بتاريخهم الجمهوري، ورفضهم لمشروع دخيل مستورد من إيران.

من أقوى مظاهر هذا الوعي الجمعي يتجلى الإصرار الشعبي على إحياء ثورة سبتمبر سنوياً، رغم القبضة الحديدية التي تفرضها المليشيا على المجتمع. ففي كل عام، ورغم المخاطر، يرفع الناس الأعلام، ويشعلون الشعلة، ويرددون الأناشيد الثورية في تحدٍ مباشر للجماعة. هذه المظاهر ليست مجرد احتفالات رمزية، بل رسائل واضحة بأن مشروع الإمامة لم يعد له موطئ قدم في اليمن، وأن الشعب لن يسمح بجر البلاد إلى الوراء مهما تلون الحوثي بالشعارات الكاذبة أو استقوى بالسلاح الإيراني.

إن المرحلة الراهنة تكشف بوضوح أن مليشيا الحوثي تقف على أرض رخوة، وأن زيف شعاراتها سقط أمام أعين الجميع، داخلياً وخارجياً. وبينما تتزايد نقمة الداخل وترتفع رايات سبتمبر في كل مكان، يبقى الرهان الحقيقي على وحدة الصف اليمني، وتجاوز الخلافات، وتوجيه الجهود نحو هدف واحد: استعادة الدولة وإنهاء المشروع الطائفي.

لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يتعامل مع الحوثيين باعتبارهم جماعة إرهابية تهدد السلم المحلي والإقليمي والدولي، وأن يدرك أن أي محاولة لمكافأتهم أو مساواتهم بالدولة اليمنية الشرعية لن تجلب سوى مزيد من الفوضى. أما الشعب اليمني، فقد حسم خياره منذ زمن: لا عودة للكهنوت، ولا مستقبل لمشروع السلالة، والجمهورية ستظل قدر اليمنيين ومصيرهم الذي لن يتنازلوا عنه.