حكومة الزنداني… انعكاس واقعٍ مرير وصراع المحاصصة والكفاءة في دهاليز الشرعية

حكومة الزنداني… انعكاس واقعٍ مرير وصراع المحاصصة والكفاءة في دهاليز الشرعية
مشاركة الخبر:

تشهد أروقة السياسة في إطار الشرعية اليمنية والتحالف الداعم لها، في العاصمة السعودية الرياض، حراكاً عاصفاً ومشاورات مكثفة بشأن تشكيل الحكومة المرتقبة المكلف بها الدكتور شائع الزنداني، وسط أجواء مشحونة بالخلافات، وتضارب المسارات، وتبادل الاتهامات، في مشهد يعكس تعقيدات الواقع اليمني المتراكم منذ أكثر من عقد ونصف من الأزمات والحروب والانقسامات.

ومنذ لحظة التكليف، اصطدم الزنداني بملفات شائكة، أبرزها صراعات المحاصصة الحزبية، وفرض الأسماء، ورفض التجارب السابقة، ومتطلبات المرحلة السياسية والأمنية والاقتصادية الحرجة التي تمر بها البلاد. وبين هذه العوامل المتداخلة، تعقدت المشاورات وتعثر مسار التشكيل، ليبدو المشهد السياسي انعكاساً مباشراً لحالة التيه والضياع وفقدان القرار والسيادة التي يعيشها اليمن، في ظل سطوة الجماعات المسلحة والكيانات الفاشلة، وفي مقدمتها مليشيا الحوثي المدعومة إيرانياً، وحزب الإصلاح (الإخوان) المتهم شعبياً ورسمياً بالإخفاق والفساد.

وفي خضم هذه الفوضى السياسية، يبقى اليمن مهدداً بمزيد من التصدع والتشرذم، وهو ما حذر منه مراراً حكماء اليمن وقادته التاريخيون، وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، الذي شدد في أكثر من مناسبة على خطورة الانقسام وتعدد مراكز القوة خارج إطار الدولة.

بين المحاصصة والكفاءة

منذ السادس عشر من يناير الجاري، تصاعدت حدة الخلافات، وتكاثرت التسريبات والإشاعات حول شكل الحكومة المرتقبة، وسط حديث متواصل عن محاصصة حزبية فجّرت صراعات جديدة، خصوصاً من قبل حزب الإصلاح الذي يواجه رفضاً شعبياً واسعاً، على خلفية دوره في الفشل الإداري والسياسي خلال سنوات حكم الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.

وخلال الأيام التي أعقبت التكليف، تداولت وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي أخباراً مسربة من دوائر قريبة من مجلس القيادة الرئاسي، قيل إنها هدفت إلى جسّ نبض الشارع والنخب السياسية حول سيناريوهات التشكيل المحتملة. وتراوحت هذه التسريبات بين خيار المحاصصة الحزبية، وخيار حكومة الكفاءات (التكنوقراط)، إلى جانب الطرح القائم على التوزيع الجغرافي أو ما يعرف بالمحاصصة المناطقية.

ويرى مراقبون أن خيار التوزيع الجغرافي لا يقل إشكالية عن المحاصصة الحزبية، بل قد يكون أكثر حساسية، كونه يساوي بين مواقف متباينة، ويكرّس الانقسام بدل إدارته ضمن شراكة وطنية حقيقية قائمة على الثوابت الجامعة.

ومع تداول أسماء ومرشحين أغلبهم مثقل بسجل من الفشل أو الفساد أو الارتباطات المشبوهة، ظل خيار “حكومة الكفاءات” هو الأكثر قبولاً لدى الشارع اليمني، وفق تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا الخيار، بحسب متابعين، يظل ناقصاً ما لم تُحدد معايير اختيار واضحة، وآليات تقييم شفافة، تضمن تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.

ويحذر مراقبون من أن مفهوم الكفاءة في السياق اليمني قد يتحول، في ظل فوضى ما بعد 2011، إلى غطاء لإقصاء مكونات سياسية فاعلة، أو إلى أداة لمساواة أطراف تناقضت مواقفها من الدولة والجمهورية والوحدة، تحت شعار واحد فضفاض.

غياب التوازن وفشل التجارب السابقة

في قراءة معمقة لأسباب تعثر الحكومات المتعاقبة، يؤكد كثير من النشطاء والمحللين أن فشل تلك الحكومات لم يكن نتيجة مبدأ الشراكة السياسية بحد ذاته، بل بسبب غياب التوازن، وتعدد مراكز النفوذ خارج مؤسسات الدولة، واعتماد محاصصات شكلية لم تراعِ الكفاءة ولا القدرة على الإدارة، ولا مستوى الالتزام الفعلي بالثوابت الوطنية.

ويرى هؤلاء أن أي حكومة تُشكّل بعيداً عن شراكة سياسية حقيقية، أو تقوم على تقاسم لا يميز بين من التزم بمشروع الدولة ومن عمل ضدها أو خارجها، ستظل محدودة التأثير، مهما رفعت من شعارات براقة أو حملت من عناوين جذابة.

آخر تطورات المشاورات

وبحسب آخر المعلومات المتداولة، فقد شهدت الأيام الأخيرة انفراجاً نسبياً في الخلافات التي نشأت بين الأطراف السياسية بشأن شكل الحكومة الجديدة، وسط مساعٍ حثيثة للوصول إلى صيغة توافقية توازن بين متطلبات الكفاءة والتمثيل السياسي.

وتشير المعطيات إلى أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي استحوذ على الحقائب الوزارية الأربع السيادية: الخارجية، والمالية، والدفاع، والداخلية، مع ترجيحات بأن يتولى وزارتي الخارجية والدفاع شخصيات من المحافظات الشمالية، بينما تسند وزارتا الداخلية والمالية إلى شخصيات من المحافظات الجنوبية.

أما بقية الحقائب الوزارية، فمن المتوقع توزيعها على الأحزاب والمكونات السياسية، وفق معايير أساسية تشمل الكفاءة المهنية، والولاء للقضية الوطنية، والالتزام بالثوابت العامة.

حكومة تنتظر اختبار الواقع

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الحكومة المرتقبة على تجاوز عقلية المحاصصة، وبناء شراكة وطنية متوازنة، تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتضع حداً لحالة العبث السياسي والإداري، وتستعيد ثقة المواطن اليمني الذي أنهكته سنوات الحرب والانقسام.

فهل تنجح حكومة الزنداني في كسر الحلقة المفرغة، أم ستكون حلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات؟ سؤال مفتوح على واقع لا يزال يزداد مرارة وتعقيداً.