تعز نموذجاً لوطن بلا سيادة ..و حلم المطار المؤجل
قرار نقل مطار تعز من موقع "الجند" إلى منطقة "البرح" لم يكن نتاج الحرب أو مزايدات سياسية لاحقة، بل كان قراراً مؤسسياً جرى إقراره من قبل المجلس المحلي لمحافظة تعز في عامي 2007 و2010، استناداً إلى دراسات فنية وأمنية دقيقة أكدت أن موقع "الجند" لم يعد صالحاً للتشغيل الآمن أو للتوسع المستقبلي. ولم يكن الخلاف في تلك المرحلة إلا حول التمويل، في دولة كانت لا تزال تحتفظ بحد أدنى من مؤسساتها.
كان هذا المشروع حلمًا تنمويًا مشروعًا لأبناء تعز وإب، يمثل حقهم في بنية تحتية مدنية حديثة وآمنة. لكن منذ انقلاب مليشيا الحوثي، لم يعد اليمن مكانًا تُؤجل فيه المشاريع لأسباب مالية، بل أصبح مكانًا تُلغى فيه الحقوق بالقوة والسلاح.
اليوم، لا يقتصر الأمر على القصف أو الحصار، بل يمتد إلى اختطاف السيادة الوطنية قطعةً تلو الأخرى. الأرض والبحر مختطفان، وما كشفته حادثة مطار المخا هو أن السماء اليمنية أصبحت كذلك، لتؤكد حقيقة صارخة لا لبس فيها: القرار السيادي لم يعد بيد الدولة.
كان من المفترض أن يمثل تدشين الرحلات الجوية من مطار المخا لحظة رمزية تعلن عودة الدولة إلى أحد أهم تجليات سيادتها، غير أن هذه اللحظة تحولت سريعًا إلى فضيحة سياسية مدوية، حين مُنعت طائرة مدنية من الهبوط بقرار صادر عن مليشيا الحوثي، وليس عن سلطة طيران رسمية أو مؤسسة دولة قانونية.
ما حدث ليس مجرد مشكلة فنية أو إجراء احترازي، بل هو قرار سيادي مكتمل الأركان اتخذته جماعة مسلحة خارج القانون، نفذته لإدراكها الكامل لغياب سلطة الدولة، وعجز الحكومة، واكتفاء المجتمع الدولي بالمراقبة عن بعد.
الرسالة الأخطر من هذا المنع واضحة: لا مطار يعمل، ولا رحلة تُسيّر، ولا سماء تُفتح إلا بإذن المليشيا. هذا السلوك يرقى إلى مستوى القرصنة الجوية على دولة بأكملها، حيث تسيطر المليشيا على غرف الملاحة الجوية وشبكات الاتصالات، وتحول البنية التحتية المدنية إلى أدوات ابتزاز وسيطرة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن "مناطق محررة" مجرد خداع لغوي. أي منطقة لا تملك قرار سمائها ليست محررة، وأي دولة لا تتحكم في أجوائها لا يمكن اعتبارها دولة فاعلة، مهما بلغ الاعتراف الدولي أو تعددت البيانات الرسمية.
ما يزيد الأمر خطورة هو أن هذا الاختطاف لا يهدد الداخل اليمني فقط، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الملاحة الجوية الإقليمية والدولية، نظرًا للموقع الاستراتيجي لليمن على البحر الأحمر، مما يجعل الصمت الدولي مشاركة غير مباشرة في تعريض الطيران المدني للخطر.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الحكومة الشرعية في إدارة هذا الملف بعقلية الإدانة الشكلية أو التعامل معه كإشكال إداري. نحن أمام قضية أمن قومي بامتياز تتطلب قرارًا سياديًا حقيقيًا يبدأ بنقل منظومات التحكم الجوي والاتصالات من يد المليشيا إلى مناطق تخضع لسلطة الدولة، وربطها مباشرة بالمنظمات الدولية المختصة.
كما يطالب المجتمع الدولي بموقف واضح وحازم، إذ لا يمكن تحميل الدولة التي تُختطف سماؤها وحدها مسؤولية سلامة طيرانها. حادثة مطار المخا ليست استثناءً، بل هي إنذار أخير. وما لم يُحسم ملف السماء بحزم، ستظل السيادة مجرد شعار يُرفع في الخطب، بينما تُصادر فعليًا في الأجواء.