تداعيات غياب الشرعية: كيف مكّن الفراغ الحوثيين من تعميق مأساة اليمن؟
تتفاقم معاناة الشعب اليمني يوماً بعد يوم، ليس فقط بفعل ويلات الحرب الدائرة، بل بسبب الفراغ الإداري والقيادي الذي أتاح للممارسات التعسفية لمليشيا الحوثي أن تتجذر وتتسع رقعتها. إن غياب القيادة الشرعية الفعالة والواضحة يمثل ثغرة أمنية وإدارية استغلتها الجماعة الإرهابية ببراعة لفرض واقع جديد مرير، يرتكز على الانتهاكات الممنهجة لحقوق المواطنين وتدمير النسيج الاجتماعي.
في ظل هذا التشتت وغياب المظلة القانونية الموحدة، تحولت مناطق سيطرة المليشيا إلى مساحات رمادية تُمارس فيها أشكال شتى من الظلم بعيداً عن أي مساءلة حقيقية. المواطن اليمني، الذي كان ينتظر أن تمثل الشرعية حصناً منيعاً ضد التمدد العسكري والفكري للجماعة، يجد نفسه اليوم وحيداً أمام سطوة القوة الغاشمة. هذا الضعف في الإدارة الشرعية، سواء كان ناتجاً عن خلافات داخلية أو عجزاً عن بسط النفوذ، منح الحوثيين الفرصة الذهبية لتعزيز قبضتهم الأمنية والاقتصادية، مما سهل عليهم تجنيد الأطفال، ونهب الموارد، وإسكات الأصوات المعارضة.
إن الانتهاكات التي ترتكبها المليشيا ليست مجرد ردود فعل عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية ممنهجة لترسيخ حكم الأمر الواقع. من الاعتقالات التعسفية التي تطال الصحفيين والنشطاء، إلى مصادرة الممتلكات وتغيير المناهج التعليمية، تبدو كل خطوة محسوبة لضمان ولاء مطلق أو ترهيب تام. يروي النازحون قصصاً مؤلمة عن اختفاء أقاربهم، وعن الأسر التي وجدت نفسها تحت رحمة جبايات غير قانونية تفرضها سلطات الأمر الواقع لتمويل آلتها الحربية، تاركةً خلفها شعوراً عميقاً باليأس من إمكانية استعادة الحياة الطبيعية.
هنا يكمن جوهر المأساة؛ فغياب الإدارة الحازمة للشرعية لم يترك فقط فراغاً سياسياً، بل أوجد فراغاً معنوياً لدى اليمنيين. فالمواطن يحتاج إلى رؤية قيادية تتسم بالثبات والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، رؤية تستطيع أن توحد الصفوف وتستعيد ثقة الشارع. عندما تتعدد مراكز القرار وتتضارب الرؤى داخل الشرعية، فإن رسالة الضعف تصل إلى أبعد مدى، لتكون بمثابة دعوة مفتوحة للجماعات التي تستمد قوتها من الفوضى لمواصلة انتهاكاتها دون خوف من رد فعل موحد وقوي.
لقد أدت حالة فقدان "حسن القيادة والإدارة" داخل المؤسسات الشرعية إلى تفكيك الجهود المبذولة لمواجهة التحدي الحوثي على المستويات كافة. فبدلاً من أن تشهد الساحة حركة إصلاحية وإدارية قوية توازي حجم التحدي، ساد البطء والتردد، مما سمح للمليشيا بتعزيز شبكاتها الاجتماعية والمالية في المناطق التي يفترض أن تكون تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. هذا التراخي الإداري يترجم مباشرة إلى معاناة إنسانية حادة، حيث تتأخر المساعدات، وتتعطل الخدمات الأساسية، ويبقى المواطن اليمني رهينة الصراع على الشرعية نفسها.
إن استعادة زمام المبادرة تتطلب أكثر من مجرد اعتراف دولي؛ إنها تتطلب إرادة داخلية حقيقية لإصلاح البيت اليمني، وتوحيد الجهود تحت قيادة قادرة على بث الأمل في قلوب الملايين. فما زال اليمنيون يحلمون بيوم تستطيع فيه قيادتهم أن تكون الدرع الحقيقي لهم، وأن تضع حداً لانتهاكات المليشيا التي تتغذى على غياب الإدارة الرشيدة والواضحة. فالأمل يكمن في استعادة هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون، لا أن تظل الشرعية مجرد اسم يتردد في المحافل الدولية بينما الواقع على الأرض يكتبه منتهكو حقوق الإنسان.