هيمنة الدولار: كيف يكبل امتياز العملة الاحتياطية عجز الولايات المتحدة التجاري

هيمنة الدولار: كيف يكبل امتياز العملة الاحتياطية عجز الولايات المتحدة التجاري
مشاركة الخبر:

يفرض الدور العالمي للدولار الأمريكي على الولايات المتحدة التزاماً هيكلياً باستيراد أكثر مما تصدر، مما يؤدي إلى عجز تجاري مزمن يصعب عكسه، وهو ما يشكل المفارقة الأساسية للقوة النقدية العالمية.

إن التفوق العالمي للدولار يمنح الولايات المتحدة هامشاً استثنائياً للاقتراض بشروط مواتية للغاية، مما يوسع نطاق إمكانيات الإنفاق. ومع ذلك، فإن هذا الامتياز يتحول بمرور الوقت إلى التزام، حيث تتراكم العجز المالي لتشكل ديوناً ضخمة، وتمتص تكاليف خدمة الدين حصة متزايدة من الموارد، مما يضيق الخناق تدريجياً على الخيارات السياسية.

إن إصدار العملة الاحتياطية العالمية لا يؤدي فقط إلى تراخٍ مالي، بل يشوه الاقتصاد من الخارج إلى الداخل، وهو ما يُعرف بقانون "البوميرانغ النقدي": السيولة العالمية تخلق تكاليف محلية. ويؤدي هذا الوضع الهيكلي إلى عجز مزمن في الحسابات الخارجية الأمريكية، وتشويه الحوافز، وإعادة توزيع الفرص والمخاطر، مما ينتج عنه تآكل تدريجي للقطاع الصناعي ودعم للتحركات الشعبوية.

تقتضي ميكانيكا ميزان المدفوعات، بوصفها نظام محاسبة مزدوج القيد على المستوى الكوكبي، أن يتطابق العجز في الحساب الجاري (التجارة والتحويلات) بالضرورة مع فائض في الحسابات الرأسمالية والمالية. وهذا يعني أن أي دولة يتجاوز فيها الاستيراد التصدير يجب أن تكون مقترضة صافية من الخارج. وكل دولار يتدفق إلى الخارج لتلبية الطلب العالمي يجب أن يعود في نهاية المطاف على شكل مطالبات مالية على الاقتصاد المحلي، سواء كانت سندات خزانة أو أصولاً أخرى.

تترسخ هذه الديناميكية في "معضلة ترِفين"، التي تفرض على الولايات المتحدة خلق سيولة دولارية مستمرة لتلبية احتياجات الاحتياطيات العالمية، مما يجبرها هيكلياً على تسجيل عجز كبير ومزمن في ميزانها التجاري. وتؤدي التدفقات الرأسمالية المالية الهائلة التي تعوض هذا العجز إلى تنازل تدريجي عن مطالبات بالملكية على الأصول المحلية، مما يقلص الاستقلال الاقتصادي للبلاد.

علاوة على ذلك، يؤدي الطلب العالمي على الأصول المقومة بالدولار إلى رفع قيمة العملة فوق مستوى توازنها المتسق مع التجارة، وهو ما يشكل "ضريبة صامتة" على المصدرين الأمريكيين. وفي غياب مكانة العملة الاحتياطية، كان من شأن هذا العجز أن يدفع العملة للانخفاض لتعزيز القدرة التنافسية، لكن الدور الاستثنائي للدولار يعطل هذا التكيف الصحي، مما يكرس العجز كآلية مركزية للنظام المالي العالمي.