«حكومة جديدة… والأسئلة القديمة»

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يكن انتظار إعلان الحكومة اليمنية الجديدة طويلًا فحسب، بل كان كاشفًا أيضًا. كاشفًا لطبيعة النظام السياسي القائم، وحدود قدرته على التجديد، وحقيقة الخطاب الذي رُوّج له عن «حكومة كفاءات» وكأن اليمن يقف على أعتاب لحظة تاريخية فاصلة. ما خرج إلى العلن لم يكن حكومة بالمعنى الدستوري أو التنفيذي، بل إعادة إنتاج مألوفة لمسار مأزوم، بوجوه جديدة قديمة، وتوازنات مستهلكة.

قيل الكثير عن صعوبة التشكيل، وعن ضغوط داخلية وخارجية، وعن شدّ وجذب بين أطراف متعددة. غير أن النتيجة النهائية توحي بأن كل ذلك لم يكن سوى ضجيج سياسي، لأن الحكومة وُلدت بسهولة لافتة، كما لو أن شكلها كان محسومًا سلفًا. لا صراع برامج، ولا تنافس رؤى، بل محاصصة ناعمة، مغلّفة بلغة تقنية، تخفي جوهرًا سياسيًا تقليديًا لا علاقة له بحجم التحديات التي تواجه البلاد.

في بلد يعيش حربًا مفتوحة، وانهيارًا اقتصاديًا، وتفككًا اجتماعيًا، كان يُفترض أن تأتي الحكومة باعتبارها أداة إدارة أزمة على الأقل. لكن ما ظهر أقرب إلى إدارة توازنات، لا إدارة دولة. أسماء غير معروفة للرأي العام، فُرضت بحسابات حزبية، وجرى تسويقها باعتبارها «كفاءات»، فيما يعرف الشارع اليمني أن الكفاءة الحقيقية لا تُقاس بالشهادات ولا بالألقاب، بل بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار.

التجربة اليمنية في السنوات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الأكاديميا لم تكن ضمانة للحكم الرشيد. بل على العكس، كثيرًا ما تحولت الألقاب العلمية إلى غطاء لقرارات مرتبكة، أو لخلطٍ بين المناصب، أو لاعتبار الدولة مساحة شخصية قابلة للتجريب. الإصرار على الجمع بين أكثر من حقيبة، أو التعامل مع الوزارات السيادية وكأنها مواقع محجوزة، يعكس أزمة أعمق من مجرد سوء تقدير؛ إنه يعكس غياب مفهوم الدولة نفسه.

الأكثر إرباكًا أن الحكومة الجديدة حملت إشارات لا تخلو من دلالات خطيرة، بينها ما يمكن وصفه – دون مبالغة – بتطبيع غير معلن مع «توريث المناصب». حين تتكرر الأسماء داخل العائلة السياسية الواحدة، وحين تنتقل المواقع من قريب إلى قريب، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام دولة تحاول النهوض، أم أمام نظام يعيد إنتاج نفسه بأدوات أكثر هشاشة؟

داخليًا، تبدو الحكومة أسيرة توازنات حزبية معروفة، حيث جرى الإبقاء على عدد من الوزراء السابقين رغم سجلهم الباهت، في مؤشر واضح على أن بعض القوى السياسية ما زالت تمسك بمفاتيح القرار، إما لغياب البدائل، أو لحرصها على الاحتفاظ بما تبقى من نفوذ. أما الكفاءة، فغالبًا ما تُستدعى في الخطاب، وتُستبعد في التشكيل.

إقليميًا، تأتي هذه الحكومة في لحظة دقيقة. المنطقة كلها تعيش تحولات عميقة، من إعادة رسم أولويات بعض العواصم، إلى تراجع الاهتمام الدولي بالملف اليمني لصالح ملفات أكثر سخونة. وفي ظل هذا الانكفاء النسبي، كان يُفترض أن تقدّم الشرعية نموذجًا مختلفًا، يُقنع الحلفاء قبل الخصوم بأنها ما زالت قادرة على إدارة مناطقها، وبناء مؤسساتها، وخوض معركتها السياسية والعسكرية بحد أدنى من التماسك. لكن الحكومة الجديدة لا تبدو، حتى الآن، رسالة طمأنة لأحد.

دوليًا، يعرف اليمنيون أن العالم يتعامل مع الوقائع لا النوايا. وحكومة بلا رؤية واضحة، ولا برنامج معلن، ولا انسجام داخلي، لن تكون شريكًا جادًا في أي مسار سياسي قادم، سواء تعلق بالمفاوضات، أو بإعادة الإعمار، أو بمستقبل الدولة بعد الحرب.

في المحصلة، لا تمثل هذه الحكومة قطيعة مع الماضي، ولا بداية لمسار تصحيحي. إنها أقرب إلى إدارة للوقت الضائع، في لحظة لا تحتمل المزيد من الهدر. ومع ذلك، يبقى باب الأمل مواربًا، لا لأن المؤشرات مشجعة، بل لأن البديل هو الفراغ الكامل.

وحتى تثبت الأيام عكس ذلك، سيظل اليمنيون يراقبون بحذر، ويطرحون السؤال ذاته الذي بات يتكرر مع كل حكومة جديدة: هل نحن أمام سلطة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أمام مشهد آخر يُدار بالمنطق القديم نفسه… من دون أن يتغير شيء؟

في النهاية، لا تُقاس الحكومات بما تعلنه يوم تشكيلها، بل بما تكشفه الأيام حين يسقط الضجيج ويبقى الفعل. اليمن اليوم لا يطلب معجزات، ولا ينتظر أبطالًا، بل يبحث عن حدٍّ أدنى من الدولة، وعن سلطة تدرك أن الشرعية لا تُستمد من المحاصصة، ولا تُحمى بالشعارات، بل تُبنى بالمسؤولية والصدق مع الناس. والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم من يضيّع الفرص في لحظات الانكسار الكبرى.

 أما السؤال الذي سيظل معلّقًا، فلا يتعلق بأسماء الوزراء ولا بتوازناتهم، بل بما إذا كانت هذه السلطة قادرة أصلًا على أن ترى ما بعد اللحظة… أم أنها، مرة أخرى، ستكتفي بإدارة الحاضر، وتترك المستقبل لمجهول أكثر قسوة.

وفي الاخير :ما الذي تغيّر ... لا شئ؟