فرصة أخيرة لإنقاذ الجمهورية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في لحظة وطنية شديدة الحساسية، جاء إعلان تشكيل الحكومة الجديدة وسط تطلعات مشروعة وأمل حذر لدى اليمنيين، الذين أنهكتهم الحرب وطالت معاناتهم مع الغياب المؤسسي وتدهور الأوضاع المعيشية. ومن هذا المنطلق، لا بد من الترحيب بتشكيل الحكومة، متمنين لها التوفيق والنجاح في أداء مهامها، لا بوصف ذلك مجاملة سياسية، بل باعتباره واجبًا وطنيًا يوازيه واجب أكبر يتمثل في المطالبة بالعمل الجاد وتحمل المسؤولية كاملة.

إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الارتجال ولا إدارة الوقت الضائع. وهي تتطلب من الحكومة إعداد برنامج وطني مسؤول، واضح الأهداف والآليات، يُعرض على البرلمان ويُقر وفق الأطر الدستورية، بما يضمن تقديم معالجات حقيقية وواقعية لمختلف القضايا التي تمس حياة المواطنين اليومية، وفي مقدمتها الأمن، والاقتصاد، والخدمات، واستعادة ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة عودة الحكومة بشكل كامل ودائم إلى العاصمة المؤقتة عدن، لا كإجراء رمزي أو عنوان سياسي، بل كخطوة جوهرية تعكس الجدية في إدارة شؤون الدولة من الداخل، والاحتكاك المباشر بواقع الناس ومعاناتهم. فوجود الحكومة على الأرض شرط أساسي لمعالجة الاختلالات الأمنية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وضبط المؤسسات، والحد من الانفلات، فضلًا عن العمل الجاد لإيقاف تدهور العملة، وتحسين الخدمات الأساسية التي باتت تمثل عبئًا يوميًا لا يُحتمل على المواطنين.

إن تشكيل الحكومة الجديدة يعني، بالضرورة، انتهاء مرحلة المجاملات، وعدم القبول باستمرار إدارة الدولة من خارج الواقع. فاليمنيون اليوم يتطلعون إلى حكومة تعمل من داخل عدن كنموذج فعلي للدولة والنظام والقانون، وتقدم صورة مختلفة عن السنوات الماضية التي طغى فيها تعدد الولاءات وتشتت القرار. المطلوب اليوم قرار موحد، ومؤسسات فاعلة، وسلطة تحكم باسم الدولة لا باسم التوازنات.

كما أن على الحكومة مسؤولية تفعيل مؤسسات القانون، وضبط الأداء المؤسسي، وصرف الرواتب بانتظام، وتحسين الخدمات، وحماية وحدة القرار السياسي والعسكري، باعتبار ذلك أساسًا لاستعادة هيبة الدولة. ويظل التمسك بالمشروع الوطني أولوية قصوى، لا تقل أهمية عن تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه الضحايا وذويهم وكل المتضررين من الحرب، عبر إنصافهم وردّ الاعتبار لهم، بدل تجاهل معاناتهم أو المتاجرة بها سياسيًا.

لقد أثبتت التجربة أن غياب الدولة وضعف مؤسساتها خلال السنوات الماضية خلق فراغًا خطيرًا ملأته المليشيات وقوى الأمر الواقع، وهو ما أدى إلى تقويض هيبة الدولة وتآكل ثقة المواطنين بها. ومن هنا، فإن أي تأخير في استعادة دور الدولة سيعني مزيدًا من الانهيار، ومزيدًا من الكلفة الوطنية والإنسانية.

وفي قلب هذه المسؤوليات جميعًا، يبقى الهدف المنشود هو استعادة العاصمة صنعاء وعودة بقية المحافظات إلى حضن الدولة، سواء عبر مسار سلمي عادل، أو عبر خيارات تفرضها ضرورات الدفاع عن الجمهورية. فاستعادة الدولة لا يمكن أن تكتمل دون بسط النفوذ على كامل التراب الوطني، وتوحيد الصفوف، وإعادة توجيه البوصلة نحو المعركة الحقيقية.

بكل وضوح، تمثل هذه الحكومة ربما الفرصة الأخيرة لإنقاذ الجمهورية اليمنية، عبر إصلاح ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتجاوز الحسابات الضيقة، وتغليب المصلحة الوطنية العليا. إنها لحظة مفصلية، إما أن تُبنى فيها الدولة على أسس صلبة، أو يضيع الجميع في دوامة الفشل. واليمنيون، بعد كل ما دفعوه من أثمان، يستحقون دولة حقيقية، وقرارًا وطنيًا مستقلًا، ومستقبلًا مختلفًا يليق بتضحياتهم.