حكومة "الاستغناء" عن الشرفاء!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس التغيير الوزاري مجرد تبديلٍ في الأسماء أو تدويرٍ للمناصب، بل هو في جوهره رسالة سياسية تعكس أولويات الدولة وتوجهاتها نحو المستقبل. إلا أن التشكيل الوزاري الجديد الذي أُعلن ليلة البارحة وضعنا أمام تساؤلات حول "المعايير" التي يُكافأ بها المسؤول أو يُستبعد، خاصة حينما يتعلق الأمر بقاماتٍ تركت أثرًا ملموسًا في صميم العمل الإداري.  

لعل خروج وزير الأوقاف والإرشاد، محمد عيضة شبيبة، من التشكيل الجديد يمثل علامة استفهام لكل من يرصد مسيرة الدولة نحو الإصلاح. ففي عام 2024م، أرسى هذا الرجل سابقة قانونية وأخلاقية نادرة؛ حينما استرد مبلغ (15 مليون ريال سعودي) كان قد فُرض على الحجاج مقابل خدمات تعثرت في تقديمها. وكان لي شرف تناول تلك القضية آنذاك عبر مقاليّ: «مرمطة الحجاج في منى!» و«الحج مرة أخرى»، اللذين استندنا فيهما إلى وقائع وشواهد وثّقت جوانب القصور في الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن في ذلك الموسم.  

لقد تفاعل الوزير "شبيبة"—مع ما نُشر ومع شكاوى الحجاج أنفسهم—بشجاعة المسؤول وحسّ القانوني، وتصرف بوصفه "حارسًا" للمال العام ومؤتمنًا على حقوق المواطنين. فلم يكتفِ باسترداد المبلغ من الجهات المقصرة، بل أشرف على وصول الحقوق إلى مستحقيها يدًا بيد، ليقدم نموذجًا لـ "المسؤول القدوة" الذي يضع قدسية الأمانة فوق اعتبارات الوجاهة السياسية.  

ليلة البارحة، غادر الوزير منصبه ويده نظيفة من شوائب المال، وسيرته محفوفة بتقدير الناس، لكن المفارقة التي تفرض نفسها هنا هي المقارنة بملفات أخرى لا تزال تراوح مكانها؛ فبينما نودع وزيرًا أنصف الناس، نرى حقائب أخرى—كوزارة الإعلام—تعاني جمودًا إداريًا رغم استمرار قيادتها لسنوات طويلة وفي حكومات متتالية. فقد بحت الأصوات وتعددت المقالات الاستغاثية لرفع شأن هذه الوزارة إلى قاماتنا الإعلامية في حضرموت التي ينهشها الإهمال والمرض، وفي مقدمتهم الرمز الإعلامي الراحل سعيد سعد (رحمه الله)، لكن تلك المناشدات قوبلت بصمتٍ لا يليق بحجم التضحيات التي قدمها هؤلاء الإعلاميون. وما يثير الغصة هو التمييز الصارخ؛ حيث يحظى زملاء من "مناطق النفوذ" بمنح علاجية سخية على نفقة الدولة، بينما يترك الإعلامي الحضرمي يواجه مصيره وحيدًا.  

نحن اليوم أمام واقع سياسي جديد، نجد فيه أن من بادر بالحل وأعاد الحقوق قد غادر المشهد، بينما بقي في سدة المسؤولية من لم يغير من واقع المعاناة شيئًا. وفي مرآة ذلك، فإن بناء الدولة القوية لا يحتاج فقط إلى كفاءات تكنوقراطية، بل يحتاج—أولًا وقبل كل شيء—إلى "القدوة" التي تزرع الثقة في نفوس المواطنين.  

نعم، غادر محمد عيضة شبيبة الوزارة، لكنه لم يغادر الذاكرة الوطنية، وسيظل أثره شاهدًا على أن نظافة اليد هي أبقى من بريق المنصب الزائل.