رمضان في مناطق سيطرة الحوثيين: الفقر والخوف يحلان محل مظاهر الشهر الكريم
يحل شهر رمضان هذا العام على اليمنيين الواقعين تحت سيطرة جماعة الحوثي كواقع قاسٍ ومؤلم، بعيداً عن الأجواء الإيمانية المعتادة، حيث طغت سياسات الجماعة المتبعة على مظاهر الشهر الفضيل، وحوّلت حياة ملايين الأسر إلى موسم إضافي من المعاناة والترقب.
في صنعاء والمناطق الخاضعة لسلطة الميليشيا، تبدو الأسواق خافتة الحركة، ويعكس التعب على وجوه السكان تآكلاً غير مسبوق في القدرة الشرائية، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل متزايد، مما يعاقب المواطنين على سعيّهم لتوفير متطلبات الشهر الكريم. لم يعد الهم الأساسي هو إعداد موائد الإفطار، بل تأمين الحد الأدنى لسد الرمق.
يشير السكان إلى واقع معيشي يتدهور عاماً بعد عام، فمع استمرار انقطاع الرواتب لسنوات وفرض جبايات متكررة تحت مسميات مختلفة، تحول الموظف الحكومي إلى يكافح بشدة لإعالة أسرته. وتستمر الميليشيا في فرض رسوم وإتاوات متواصلة، متجاهلة صرف المستحقات، الأمر الذي عمّق الانهيار المعيشي وجعل من رمضان اختباراً يومياً للبقاء.
الأسر الأكثر فقراً، التي كانت تعتمد سابقاً على المساعدات الإغاثية، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع الجوع، مكتفية بوجبات متواضعة لا تكفي الأطفال، وسط قلق دائم يسيطر على المستقبل. حتى مظاهر التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع اليمني في هذا الشهر تراجعت بشكل ملحوظ، بعد أن فرضت الجماعة قيوداً صارمة ورقابة على الأنشطة الخيرية والمبادرات المجتمعية، مما أضعف شبكات الدعم التقليدية وأدخل المتطوعين في دائرة الحذر والخوف.
لا يختلف وضع التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة كثيراً، حيث أدت سياسات الجباية والإتاوات المفروضة عليهم إلى دفعهم لرفع الأسعار بهدف تعويض الخسائر، لينعكس العبء مباشرة على المستهلك النهائي. وتتشكل حلقة مفرغة: الميليشيا تفرض الرسوم، التاجر يرفع الأسعار، والمواطن يدفع الثمن مضاعفاً.
يعكس المشهد العام في الشوارع عمق الأزمة، من خلال تزايد أعداد المتسولين وانتشار النساء والأطفال في أعمال شاقة أو بيع بسيط على الأرصفة، وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل سابقاً صمام أمان اجتماعي. وتصنف تقارير الإغاثة الدولية اليمن كأحد أكثر الدول معاناة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يواجه ملايين النقص الحاد في الغذاء وسط أزمة تتفاقم دون أفق لحل قريب.
إن الظروف التي يعيشها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات سلطة الأمر الواقع التي قدمت مشروعها الأيديولوجي على حساب لقمة عيش المواطنين، مفضلة الجباية على دفع الرواتب، والتضييق على العمل الخيري بدلاً من دعمه. وبينما تتراكم الأزمات، يظل المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة، يدفع ثمن الصراع الممتد، مستقبلاً هذا الشهر الكريم بقلب مثقل بهموم لا تنتهي.