الحكومة ومواجهة الفوضى

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

حين تتسع مظاهر الاضطراب في أي بلد، لا يكون التحدي أمنيًا فقط، بل مؤسسيًا وأخلاقيًا أيضًا. فالفوضى لا تنشأ فجأة، بل تتكوّن تدريجيًا نتيجة اختلالات في الإدارة، وضعف في إنفاذ القانون، وتراجع في الثقة العامة. ومن هنا تصبح مسؤولية الحكومة أعمق من مجرد ردّ فعل سريع؛ إنها مسؤولية معالجة الأسباب قبل الاكتفاء بملاحقة النتائج.  

مواجهة الفوضى تبدأ بتعزيز حضور الدولة عبر مؤسساتها، لا عبر إجراءات استثنائية دائمة. فالقانون يجب أن يكون المرجعية الأولى، وأن يُطبَّق بعدالة ووضوح على الجميع دون تمييز. عندما يشعر المواطن أن النظام يعمل لصالحه ويحمي حقوقه، تتراجع الحاجة إلى أي بدائل خارج إطار الدولة.  

لكن الحزم وحده لا يكفي. فالاستقرار المستدام يرتبط بتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، ومعالجة أوجه القصور الإداري. فالمواطن الذي يلمس تحسّنًا في حياته اليومية يكون أكثر استعدادًا للدفاع عن النظام العام، وأكثر رفضًا لأي سلوك يهدد السلم المجتمعي.  

كما أن الشفافية عنصر أساسي في هذه المرحلة. فالمصارحة بالتحديات، والإعلان عن خطط واضحة، وتحديد أولويات قابلة للتنفيذ، كلها خطوات تعزّز الثقة وتقلّل من مساحة الشائعات والتأويلات. إدارة الأزمات لا تعني إخفاء التعقيدات، بل تنظيمها والتعامل معها بواقعية.  

إن نجاح الحكومة في هذه المهمة يُقاس بقدرتها على تحقيق توازن دقيق: فرض النظام دون تجاوز، وتوسيع المشاركة دون إضعاف القرار. هذا التوازن هو ما يصنع الفارق بين معالجة مؤقتة للأعراض، وبناء مسار مستقر للمستقبل.  

في النهاية، مواجهة الفوضى ليست اختبار قوة فحسب، بل اختبار كفاءة وعدالة ورؤية بعيدة المدى. وكلما كانت المعالجة شاملة ومدروسة، كان الطريق نحو الاستقرار أكثر رسوخًا وأقل كلفة على الدولة والمجتمع.