الملاحة تعود تدريجيًا إلى البحر الأحمر وسط حسابات دقيقة بين خفض التكاليف ومخاطر التصعيد
تشهد خريطة النقل البحري العالمي تحولات تدريجية مع بروز مؤشرات على عودة جزئية لحركة السفن عبر البحر الأحمر، أحد الشرايين الحيوية للتجارة الدولية. هذه العودة، وإن بدت محدودة، تعكس تغيرًا في تقييم المخاطر من جانب بعض كبرى شركات الشحن، بعد أشهر من الاضطرابات التي دفعت العديد منها إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة.
ووفق تقرير نشره موقع S&P Global المتخصص في تحليل الأسواق وسلاسل الإمداد، فإن استئناف عدد من الخطوط الملاحية رحلاتها عبر هذا الممر قد يؤدي نظريًا إلى خفض تكاليف الشحن وتقليص مدد العبور مقارنة بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. إلا أن التقرير شدد على أن القرارات التشغيلية لا تزال محكومة باعتبارات أمنية معقدة، في ظل استمرار حالة الترقب.
نهج مزدوج لتفادي المخاطر
في هذا السياق، أعادت شركة CMA CGM تشغيل بعض خدماتها عبر البحر الأحمر، لكنها أبقت في الوقت ذاته جزءًا من أسطولها يسلك الطريق البديل حول رأس الرجاء الصالح. ويعكس هذا التوجه سياسة توزيع للمخاطر، تسمح للشركة بالاستفادة من المسار الأقصر دون الانكشاف الكامل على أي تطورات أمنية مفاجئة.
ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية قد تصبح نموذجًا مرحليًا تتبعه شركات أخرى، خاصة في ظل تقلب الأوضاع الإقليمية، إذ تسعى خطوط الشحن إلى تحقيق توازن دقيق بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات السلامة.
قناة السويس تتحرك لتعزيز الجاذبية
تزامنًا مع هذه التحركات، أعلنت مصر عن تشغيل منشأة شبه آلية جديدة في ميناء السخنة، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة العمليات اللوجستية وزيادة الطاقة الاستيعابية، بما يعزز موقع البلاد كمركز إقليمي للنقل البحري. ويأتي ذلك ضمن مساعٍ أوسع لدعم حركة العبور عبر قناة السويس، التي تمثل عنصرًا محوريًا في منظومة التجارة العالمية.
وتعول القاهرة على أن تسهم هذه التحديثات في استعادة جزء من الحركة التي تأثرت خلال فترة التوترات، خاصة مع تزايد المنافسة بين الممرات البحرية البديلة.
تهديدات كامنة رغم التهدئة
ورغم بوادر التحسن، حذر تقرير S&P Global من أن المشهد لا يزال هشًا، مشيرًا إلى أن أي انهيار للتهدئة الحالية قد يعيد المخاطر إلى الواجهة. وتبقى المخاوف قائمة من استهداف السفن التجارية بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، وهي تهديدات أخذتها شركات الملاحة في الحسبان ضمن حساباتها التأمينية والتشغيلية.
وتفيد تقديرات بأن الحوثيون استغلوا فترة الهدوء النسبي لإعادة ترتيب صفوفهم وتعزيز قدراتهم في مناطق سيطرتهم، لا سيما في محافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، ما يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى المعادلة.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
في المحصلة، تبدو عودة السفن إلى البحر الأحمر خطوة مدروسة أكثر منها تحولًا جذريًا. فشركات الشحن الكبرى تتقدم بحذر، مدفوعة برغبتها في تقليل النفقات وتحسين زمن التسليم، لكنها في الوقت ذاته تضع سيناريوهات الطوارئ ضمن خططها اليومية.
وبينما يراقب القطاع البحري العالمي تطورات المشهد، يبقى البحر الأحمر ممرًا استراتيجيًا تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والسياسة، ما يجعل مستقبله القريب مرهونًا بمدى استقرار التوازنات الإقليمية في المرحلة المقبلة.