العلاقات الدولية غير الرسمية.. والاستعمار الجديد عبر الوسيط المحلي

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

إنَّ المهتم بالعلاقات الدولية سيدرك على الفور أن هناك نوعين من العلاقات الدولية؛ النوع الأول هو العلاقات الدولية الظاهرة والرسمية، وهي العلاقات التي تتم بموجب البروتوكولات الدولية والعلاقات الدبلوماسية، وعبر القنوات الحكومية الرسمية. ويتسم هذا النوع بالإيجابية والالتزام بالقوانين الدولية واحترام سيادة الدول واستقلالها.  

أما النوع الثاني فهو العلاقات الدولية غير الظاهرة، وهي العلاقات التي تتم خارج الأطر الدولية والدبلوماسية والعلاقات الثنائية، وخارج القنوات الحكومية الرسمية، وتُدار في كواليس ودهاليز أجهزة المخابرات وتحظى بالسرية. ومن الأمثلة على ذلك تلك العلاقات المشبوهة بين أجهزة مخابرات الدول القوية التي تمتلك مشاريع توسعية وأطماعًا استعمارية، وبين الأحزاب المعارضة أو الجماعات المتطرفة أو الأقليات الدينية والإثنية في هذه الدولة أو تلك، بغرض إحداث قلاقل واختلالات فيها، أو لإسقاط نظامها السياسي، أو للضغط عليها للرضوخ لشروط معينة، أو للسيطرة على قرارها السياسي (الاستعمار الجديد).  

وبهذا الشكل أصبحت الأحزاب المعارضة والجماعات المتطرفة والأقليات (الوسيط المحلي) في دول العالم الثالث عمومًا، وفي العالم العربي خصوصًا، أدوات سلبية بيد الدول الخارجية الاستعمارية المؤثرة والقوية، سواء الإقليمية منها أو الدولية، تُستغل ضد الأنظمة السياسية الحاكمة. وقد لجأت الدول القوية والمؤثرة إلى هذه الأساليب الخبيثة والماكرة للالتفاف على القانون الدولي الذي يمنعها من التدخل السلبي المباشر في شؤون الدول الأخرى، ليكون (الوسيط المحلي) وسيلة للتدخل في شؤون الدولة المستهدفة، بحكم أنه جزء من التركيبة الشعبية، وله الحق في نيل حقوقه وحرياته والمشاركة في السلطة.  

ليصبح (الوسيط المحلي) سيفًا في يد الدول الاستعمارية القوية والفاعلة، تُسلطه على رقبة هذا النظام السياسي أو ذاك، بغرض الابتزاز السياسي أو الاقتصادي. وفي حال مقاومة ورفض النظام السياسي لسياسات الابتزاز، عادةً ما تلجأ هذه الدول إلى دعم (الوسيط المحلي) بكل الوسائل الممكنة؛ السياسية والإعلامية والاقتصادية، وصولًا إلى العسكرية، بغرض إسقاط النظام السياسي الحاكم الرافض للخضوع. وفي حال نجاح (الوسيط المحلي) في ذلك واستيلائه على السلطة، تصبح تلك السلطة تابعة وخانعة وفاقدة للسيادة والقرار، ومجرد أداة في يد الدولة الاستعمارية الداعمة لها، تنفذ سياساتها وأهدافها وأجنداتها. وهكذا يكون الاستعمار الخفي للدول المستهدفة، وبهذه الطريقة يتم استغلال العلاقات الدولية بشكل سلبي. 

وبهذا الشكل تم تفريغ الديمقراطية والتعددية السياسية من محتواها وأهدافها وغاياتها السامية، لتتحول إلى أداة سلبية يتم من خلالها استغلال الدول وابتزازها وإخضاعها، بل وحتى تدميرها وتخريبها والعبث بها. وقد يقوم الداعم الخارجي بنفخ وتضخيم (الوسيط المحلي) في الدول المستهدفة، وإعطائه أكبر من حجمه الطبيعي إعلاميًا وسياسيًا وعسكريًا، كمقدمة لاستيلائه على السلطة. ومخطئ من يظن للحظة واحدة أن هناك (وسيطًا محليًا) استولى على السلطة بالقوة في دول العالم الثالث دون الحصول على الدعم والرعاية والتأييد والضوء الأخضر الخارجي، الذي عادةً ما يكون خفيًا مراعاةً للقانون الدولي الذي يوجب احترام سيادة الدول واستقلالها، ويمنع التدخل في شؤونها الداخلية.  

وبهذه الطريقة تجري العلاقات الدولية غير الظاهرة (الخفيّة) بين الدول الاستعمارية القوية والمؤثرة (الداعم الخارجي) و(الوسيط المحلي) الذي يقبل على نفسه التبعية والخضوع للخارج. وكم شاهدنا من أحزاب معارضة وجماعات متطرفة وأقليات إثنية وعرقية قامت بإسقاط أنظمة سياسية حاكمة والاستيلاء على السلطة. وبهذا الشكل تُدار الكثير من العلاقات الدولية، وخصوصًا فيما يتعلق بدول العالم الثالث.  

وبهكذا أساليب تمكنت القوى الدولية والإقليمية التوسعية والاستعمارية من التحايل على القانون الدولي، ومن تصدير مشاريعها وأجنداتها السياسية والفكرية وفرضها بالقوة على الدول الأخرى المستهدفة، لتصبح في حكم المستعمرة والتابعة والفاقدة للسيادة والاستقلال. لذلك لن نبالغ إذا قلنا إن نزعة الهيمنة والتوسع والاستعمار هي السائدة اليوم في عالم العلاقات الدولية، وإن كان ذلك بشكل غير ظاهر وغير مباشر (الاستعمار الخفي)، وعبر أدوات داخلية ومحلية (الوسيط المحلي).  

وهذا النوع من الاستعمار أسوأ بكثير من الاستعمار الظاهر؛ لأنه في حالة الاستعمار الخفي لا تتحمل الدول الاستعمارية أي مسؤولية مباشرة تجاه الشعوب المستعمَرة، كما أنها ليست بحاجة إلى إرسال جيوشها وقواتها بشكل مباشر، كون أدواتها المحلية تقوم بكل ذلك، وكل ما تقوم به هو الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، وإرسال الخبراء والقادة لإدارة شؤون الدولة المستهدفة بما يتوافق مع مصالحها وسياساتها. أما في حالة الاستعمار الظاهر التقليدي، فكانت الدول الاستعمارية تتحمل نوعًا من المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه الدول المستعمَرة وشعوبها.