الحروب بين الأماني والوقائع .. حرب الخليج الثانية نموذجًا
كم أتعاطف مع المؤيدين للنظام الإيراني في كل مكان، وهم يعيشون هذه الفترة نشوة الانتصارات الإعلامية، ويعيشون الأماني الكبيرة بالنصر الساحق على أمريكا وإسرائيل، ويتعلقون بالأخبار التي تعمل في صالح إيران حتى لو كانت جانبية وغير مؤثرة في سير المعركة، كإسقاط طائرة مسيرة أو وصول بعض الصواريخ إلى إسرائيل.
طبعا أقدر تعاطفهم ومشاعرهم وتفاعلاتهم وانفعالاتهم وحماسهم، فقد عشنا نفس اللحظة ونفس التجربة التي يعيشونها اليوم خلال الغزو الأمريكي الأوروبي للعراق في العام 1990م. نعم، عشنا أماني النصر واندفعنا كثيرًا خلف مشاعرنا وعواطفنا، نعم كنا نبحث عن خبر ولو جانبي أو إعلامي يتجاوب مع حماسنا وتفاعلنا، ويدعم أمانينا بتحقيق النصر ضد الغزاة، وكنا نقوم بتضخيمه وتعظيمه لعله يخفف علينا من هول الأحداث على أرض الواقع، والتي كانت تحطم أمانينا وأحلامنا في تحقيق نصر بعيد المنال كنا نطمح إليه ونحلم به.
ما أجمل الأماني والطموحات والبطولات والانتصارات في عالم الأحلام والخيالات، وما أسوأ الأحداث والنتائج والانتكاسات على أرض الواقع، التي تجعل الإنسان يعيش حالة من الصراع والقلق والاضطراب النفسي والمعنوي واليأس والإحباط، فالأمر غاية في الصعوبة عندما نشاهد القائد البطل آنذاك (صدام حسين) الذي كنا نظن أنه لا يُقهر ولا يهزم وهو يخسر الحرب وقواته تتلقى الضربات القاسية والمؤلمة.
نعم، لا يمكن وصف حالة المشاعر التي عشناها حينها، حينما كانت تصطدم أحلامنا وأمانينا مع الواقع، ونحن نشاهد تفوق العدو في كل المجالات التكنولوجية والتقنية والعسكرية والاقتصادية، ونرى طائرات العدو تسيطر على الأجواء وتسرح وتمرح فيها بكل أريحية، وأساطيله وبوارجه تجوب البحار والمحيطات وتسيطر عليها.
الفرق كبير بين تلك المرحلة واليوم، والفرق كبير بين وضع العراق آنذاك ووضع إيران اليوم. العراق في عام 1990م كان لا يزال خارج حرب كبيرة وطويلة مع النظام الإيراني امتدت 8 سنوات وانتهت في العام 1988م، أي قبل الغزو الأمريكي الغربي بعامين فقط، بعكس حال النظام الإيراني اليوم الذي يدخل المعركة بعد حوالي 40 عامًا من حربه مع العراق، ما يجعله أكثر قوة وتجهيزًا واستعدادًا لخوض المعركة.
لكن رغم كل ذلك، يظل التفوق التكنولوجي والعسكري لمصلحة أمريكا وإسرائيل واقعًا ملموسًا. كما أن هناك فرقًا كبيرًا، فالعراق تعرض لهجوم من تحالف عسكري دولي بقيادة أمريكا يضم أكثر من 30 دولة، بينما إيران اليوم تتعرض لهجوم من أمريكا وإسرائيل فقط.
وأيًا تكن الفوارق والمتغيرات، فالوضع متشابه والظروف متقاربة، والتفوق واضح لمصلحة أمريكا وإسرائيل، رغم أن الفترة الطويلة الماضية منحت النظام الإيراني الوقت لتطوير ترسانته العسكرية وإنشاء صناعات عسكرية متطورة في مجال الصواريخ الباليستية والطيران المسير والمفاعلات النووية، وهي التي تجعله اليوم يطلق الصواريخ والمسيرات إلى إسرائيل ودول المنطقة، وتدفعه لتقديم الدعم العسكري واللوجستي لأذرعه في بعض دول المنطقة، ما مكنها من إحداث الفوضى، لتشكيل تحالف يسمى "محور المقاومة".
لكن، ورغم كل تلك التكتيكات العسكرية الذكية الهادفة إلى توسيع الجبهة جغرافيًا بهدف استنزاف العدو عسكريًا وماديًا واقتصاديًا، تظل الكفة مرجحة لمصلحة أمريكا وإسرائيل، خصوصًا في المجال التكنولوجي والتقني والإلكتروني، حيث تمتلك هذه الدول تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تساعدها على إنجاز العديد من المهام والعمليات الرقمية والحسابية والتقنية بسهولة ويسر وبأقل جهد ووقت وتكلفة، بما يتيح لها اختراق الأجهزة الاستخباراتية والأمنية والعسكرية الإيرانية بكل سهولة.
هذه القدرات سهلت أيضًا عمليات اغتيال قيادات الصف الأول في إيران، بمن فيهم المرشد الإيراني علي خامنئي، بسرعة ودقة، وهي اليوم تمنح التفوق والافضلية في المعركة ضد النظام الإيراني، الذي يقاتل بكل قوة من أجل البقاء، رغم فارق القوة النارية والتدميرية بين الطرفين.
الشاهد من ذلك أن العقيدة الدينية وعدالة القضية والقوة النفسية والمعنوية، مهما بلغت من التضحية والتعبئة، تبقى عاجزة أمام التفوق التكنولوجي والعسكري، وعلى المؤيدين والمتعاطفين مع النظام الإيراني الاستعداد النفسي والمعنوي لمواجهة الأحداث والمتغيرات والتطورات على أرض الواقع كما هي، لا كما يتمنون أو يحلمون أن تكون.