أوتار المذهبية والطائفية .. سيمفونية الفشل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يشهد التاريخ البشري، خلال مسيرته الطويلة، أسوأ من الانقسام المذهبي والطائفي، ولم تعانِ الأمم والحضارات مثلما عانت وتعاني منه؛ فهذا الانقسام يعدّ أخطر أداة هدم لكل القيم الدينية والإنسانية والحضارية. فهو لا يتوقف عن صناعة المزيد من العداوة والكراهية بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة، ولا يتوقف عن إقامة الحواجز والعوائق بينهم.

ولو لم تصنع المذهبية والطائفية سوى تمزيق عرى الأخوة في الدين، لكان ذلك كافيًا لإظهار وجهها القبيح. ولا يخفى على أحد ما تجرعته ولا تزال تتجرعه الأمة الإسلامية والعربية من الكوارث والانتكاسات والسلبيات والفشل والانقسام نتيجة المذهبية والطائفية. ولن أبالغ إذا قلت إن ما تعرضت له هذه الأمة من السلبية والانتكاسات والكوارث بسبب المذهبية والطائفية يفوق بكثير ما تعرضت له بسبب الأعداء من الخارج.

ورغم الدروس والتجارب المتكررة والمتجددة، لم يتم الاستفادة منها والعمل على تجاوزها. ويبدو أن هناك إصرارًا على الاستمرار في الأخطاء والسلبيات نفسها المرتبطة بالانقسام المذهبي والطائفي دون تغيير أو تصحيح. وكل ذلك ليس له سوى معنى واحد، وهو الإصرار على العزف على وتر المذهبية والطائفية، رغم الانعكاسات السلبية ورغم ما يترتب عليه من تدمير ذاتي، ورغم ما ينتج عنه من تقديم خدمات مجانية للأعداء لتنفيذ سياساتهم وأهدافهم واختراقاتهم للأمة بأبسط الطرق الممكنة وبأقل تكلفة وجهد ووقت.

وأقولها بكل صراحة: إن بعض الأطراف الإسلامية والعربية مشاركة، بصورة أو بأخرى، في كل ما يحدث. فإصرار قياداتها ومفكريها ومنظريها على الفرز والتحشيد المذهبي والطائفي، وتمسكهم المستمر بالعزف على هذا الوتر، لا يعني سوى رفض تجاوز التباينات المذهبية والطائفية، ورفض الاستفادة من التجارب والدروس السابقة.

وليس هناك من كارثة تصيب الأمم والحضارات أكثر من الاستمرار في تكرار التجارب الفاشلة وتكرار الانتكاسات السابقة. والمؤسف حقًا أن هذه الأطراف لم تكتفِ بالعزف على أوتار المذهبية والطائفية داخل أوساط أتباعها، بل تسعى إلى فرضها على الأطراف الأخرى بالقوة والإكراه، في تجاوز خطير للتعدد والتنوع وحرية الاختيار.

ولا يوجد ما هو أسوأ من هذه السياسات؛ لأنها تورث المزيد من الأحقاد والكراهية والعداوة والتنافر. وهذه الحالة هي السائدة اليوم، إذ توجد أطراف في العالم العربي والإسلامي تستغل سلطتها وقوتها ونفوذها لفرض أفكارها المذهبية والطائفية بالإكراه.

بل لقد وصل الحال ببعض الأطراف المتشددة إلى تكفير أتباع المذاهب والطوائف الأخرى، وهذه هي أخطر المراحل على الإطلاق؛ فليس بعد التكفير سوى شرعنة قتل الآخر باعتباره واجبًا دينيًا وجهادًا مقدسًا.

والشاهد على ذلك ما تعيشه الأمة العربية والإسلامية من فشل وانتكاس وانقسام وانشقاق وصراع متواصل، وهو نتيجة طبيعية لما تعانيه من انقسام مذهبي وطائفي، الأمر الذي جعلها مكشوفة ومخترقة أمام الأعداء بمختلف توجهاتهم.

وللأسف الشديد، لا توجد أي محاولات جادة لتجاوز هذه الحالة، أو على الأقل لتجميدها في حدودها الدنيا. بل إن الشواهد والأحداث تشير إلى مزيد من التخندق والفرز المذهبي والطائفي، وإلى المزيد من التعصب ورفض الآخر وعداوته.

فكل طرف، بمجرد أن يستقوي ويتمكن، لا يتردد في استغلال ذلك لمصلحة أجنداته المذهبية والطائفية، ولا يتردد في استعداء الأطراف الأخرى، وكأن لسان حاله يقول: أنا اليوم الأقوى، وسأفرض فكري المذهبي والطائفي، ولن أسمح لأحد بالوقوف أمامي.

إن الشعور بالقوة يدفعه إلى صناعة المزيد من العداوة والكراهية مع بقية الأطراف، دون اعتبار أو حساب لظروف الحياة المتقلبة والمتبدلة، التي قد تدفعه لاحقًا إلى أتون صراعات خارجية تجعله في أمسّ الحاجة إلى الأطراف الداخلية الأخرى التي صنع بينها وبينه الكثير من الحواجز المذهبية والطائفية.

وخلاصة القول: لن تقوم للعرب والمسلمين قائمة ما دام كل طرف يتمترس خلف أفكاره ومعتقداته الطائفية والمذهبية. وكان، ولا يزال، وسيظل المخرج الوحيد من الفشل والانكسارات والهزائم المتكررة يكمن في تجاوز الخلافات والتباينات المذهبية والطائفية بقناعة تامة، مع احترام كل طرف لأفكار ومعتقدات الآخر، والالتفاف والتوحد حول القضايا المصيرية بوصفها عاملًا مشتركًا لمواجهة التحديات المشتركة.

أما إذا استمر كل طرف في بناء نفوذه وقوته على أسس طائفية ومذهبية، وصناعة المزيد من الانقسام والفرز المذهبي والطائفي، ثم لا يتذكر تجاوزاته وسلبياته تجاه الأطراف الأخرى إلا عند الأزمات والصراعات والظروف الصعبة، مطالبًا بالدعم والمساندة والتوحد، فإن ذلك يعدّ ضربًا من العبث.

فهذه المواقف لا يمكن تجاوزها بسياسات وقتية وارتجالية ومزاجية وظرفية، بل تحتاج إلى سياسات وخطط وبرامج ثابتة وعميقة ومستدامة.

إن ما تجلبه الطائفية والمذهبية من سلبيات وكوارث للمجتمع العربي والإسلامي كثير جدًا، ورغم كل ذلك لا يزال هناك من يسخر كل وقته وجهده وفكره للتنظير للطائفية والمذهبية، ويصر على الاستمرار في العزف على أوتارها رغم أصواتها النشاز.