اليمن بين نهاية المشاريع الضيقة وبداية الدولة الجامعة
في قلب الأزمة اليمنية لا يكمن التنوع، بل يكمن التشظي. فاليمن بلد متعدد بطبيعته الاجتماعية والسياسية، لكن أزمته الحقيقية بدأت حين تحوّل الاختلاف إلى كيانات وسلطات وسلاح واقتصاد موازٍ ينازع الدولة دورها الطبيعي. ومع كل مشروع نشأ خارج إطارها، تراجع حضورها خطوة، واتسعت الفجوة بينها وبين مواطنيها، حتى أصبح المواطن هو الخاسر الأول من تعدد المراكز وتضارب المرجعيات.
المشكلة لم تكن يومًا في اختلاف الآراء أو تنوع الرؤى، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى بُنى موازية تتصرف كدول داخل الدولة. حين تتعدد مراكز القرار، وتتنازع الجهات سلطة الأمن والمال والخدمة العامة، يفقد الكيان الوطني تماسكه، ويتحول مفهوم السيادة إلى فكرة نظرية لا تنعكس على أرض الواقع. فلا يمكن لأي بلد أن ينهض بينما تتوزع فيه القوة بين أطراف تتصرف كل منها باستقلال عن الإطار الجامع.
إن أخطر ما تخلقه المشاريع الموازية هو تآكل الثقة. فحين يدفع المواطن التزاماته لجهة، ويتلقى خدمته من جهة أخرى، ويبحث عن أمنه عند طرف ثالث، تتشظى صورته عن الدولة. ومع مرور الوقت، تتحول الدولة إلى اسم بلا فاعلية، بينما تتقدم الهويات الصغيرة لتحتل المساحة التي كان يفترض أن تظل حكرًا على المؤسسة الوطنية الجامعة.
من هنا، فإن الدعوة إلى يمن بلا مشاريع موازية لا تعني استبدال مشروع بآخر، ولا نقل النفوذ من يد إلى يد، بل تعني إنهاء فكرة المشروع الخاص داخل المجال العام.
الدولة ليست حصة يتقاسمها الأقوياء، ولا غنيمة يتداولها المتغلبون، بل عقد اجتماعي يلتزم به الجميع دون استثناء. وأي قوة تعمل خارج هذا العقد، مهما كان مبررها، تظل عامل إرباك للاستقرار ومصدرًا دائمًا لعدم اليقين.
فالطريق إلى ذلك يبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة، بحيث يكون السلاح حكرًا على الدولة وحدها. ويتوازى مع ذلك توحيد المؤسسات المالية لضبط السياسة النقدية والإنفاق العام، بما يعيد للعملة استقرارها ويمنع الازدواجية التي أرهقت الاقتصاد. كما أن إعادة الاعتبار للقضاء، ليكون المرجعية الوحيدة للفصل في النزاعات، تمثل حجر الزاوية في بناء الثقة بين المواطن والدولة. ولا يقل أهمية عن ذلك إصلاح الإدارة العامة، بحيث تصبح الكفاءة معيار التقدم، لا الولاءات الضيقة.
غير أن نجاح هذا المسار لا يعتمد على القرارات الرسمية وحدها، بل على وعي شعبي يرفض إعادة إنتاج الفوضى. فالمشاريع الموازية لا تنمو إلا في بيئة القبول أو الصمت، أما حين يتمسك المجتمع بفكرة الدولة كإطار جامع ونهائي، فإن أي كيان خارجها يفقد تدريجيًا مبرر بقائه.
اليمن ،اليوم، أمام فرصة لإعادة تعريف أولوياته: دولة واحدة، بقانون واحد، ومؤسسات لا ينازعها أحد. الطريق ليس سهلًا، لكنه واضح المعالم. وكل خطوة تعزز حضور الدولة، وتنهي الازدواجية، وتغلق أبواب النفوذ الموازي، هي خطوة نحو استقرار حقيقي ودائم.
إن يمنًا بلا مشاريع موازية ليست عبارة للاستهلاك الإعلامي، بل شرط أساسي لقيام دولة قادرة على الاستمرار. فإما أن تستعيد الدولة مكانها الطبيعي كمرجعية عليا للجميع، أو يبقى الوطن ساحة مفتوحة لتعدد المشاريع وتضارب المصالح. واليمن الذي أنهكته السنوات الماضية، يستحق أخيرًا أن يعيش تحت مظلة واحدة اسمها الدولة.