يا وجع اليمن المحفور في أخاديد الوجوه .. هل من خلاص؟
الجعجعة والذل والمهانة والشقاء الذي يعيشه اليمنيون في حياتهم وواقعهم المعيشي، مكابدة لم يعشها أي أحد من شعوب الأرض قاطبة. مكابدة موجعة تجرعناها خلال سنوات الحرب وعاناها وتقاسمها الجميع على أرض الوطن.. الجري بعد الرغيف وطوابير الماء وطوابير الغاز والبترول والايجارات والنزوح، كلها دليل حياة مثقلة بالفقر والوجع، وشواهد دامغة على مقدار الإهانة التي نكابدها يوميًا.
فهل جرب من يعيشون التخمة أن يقايضوا أحلامهم برغيف يابس؟ أو أن يبيعوا ضحكات الأطفال مقابل لترات من البترول؟ نحن فعلنا ذلك في بلد سقطت فيه الأقنعة عن وجه الإنسانية، وتحوَّل اليمني إلى كائنٍ منهك، يركض خلف الأساسيات التي صارت مستحيلة.. نحن لا نقف في طوابير الخبز لنأكل، لكننا نقف لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا نملك رمقًا للحياة، ونُذبح في كل دقيقة انتظار ألف مرة. فلا الأرض انصفتنا ولا الدنيا ولا الناس. وتأتينا الطعنات من كل جانب ونحن الضحية الأولى والأخيرة.
الجوع يكشف عورة الرصيف المثقل بانتظارنا. الشوارع صارت "مقصلة" لأمانينا، وسجنًا خانقًا تحرسه طوابير الذل. نمضغ مرارات الأيام في حلوقنا كعلقم، ونبتلع غصّة الرغيف المغموس بوحل المهانة.
نخرج في صباحاتنا المُطفأة محنيو الأرواح قبل الظهور، كي نطارد قطرة ماء أو أسطوانة غاز، وقليل من طحين وكأنه صيد ثمين في غابة من الوحوش.
نركض ونركض ونركض كما يركض الظمآن خلف السراب، حتى صرنا أجسادًا من رماد، تحركها غريزة البقاء لا لذة الحياة.
آااه يا وجعًا نبت في أخاديد الجباه، ونما كالعشب المرّ فوق ملامح الكادحين. يأ أنينًا مكتوبًا بمداد الوجع اليمني على وجوه الكادحين المنهكة، هل من خلاص؟!
تبًا لهذا "الخلاص" الذي لا يأتي، وتبًا لعالمٍ يرى في أنيننا "مادة لخبر باهت"، ويرى جوعنا "ورقة للمقايضة".
فبين صرخة الغضب المكتومة في الصدور، وبين دمعة العجز التي تجمدت في محاجرنا، نمضي في نفقٍ من ليل طويل، نفقٍ جدرانه ملبد بالخوف، وسقفه مصنوع من خذلان القريب والبعيد.
أيتها التجاعيد المحفورة في وجوه البؤساء، أنتِ الشاهد الوحيد على عصر الإذلال الممنهج.
أنتِ الصرخة التي لا تموت، واللعنة التي ستطارد كل من سرق من رغيفنا "الكرامة"، ومن شرب من مائنا "العزة".
يا وجع اليمن، متى تكفّ هذا السكاكين عن العبث بأوردتنا؟
وهل من خلاصٍ يغسل وجه الأرض من غبار "الطابور"، ويعيد للإنسان فينا إنسانيته؟.يكفينا ذلًا ومهانة ووأدًا للحياة.
متى الخلاص؟.