الإصلاح، ومعضلة الارتباط الفكري العابر للأوطان..!
تتردد كثيراً في الأوساط السياسية مقولة مفادها أن المشكلة مع حزب "التجمع اليمني للإصلاح" لا تكمن في "الارتباط التنظيمي" بجماعة الإخوان المسلمين، بقدر ما تكمن في "الارتباط الفكري". هذه المقولة ليست مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هي تشخيص دقيق لجوهر الأزمة التي تعصف بعلاقة الحزب بالدولة الوطنية وبالهوية اليمنية الخالصة.
أولاً: وهْم الانفكاك التنظيمي
غالباً ما يلجأ الحزب عند اشتداد الأزمات أو الضغوط الدولية إلى إعلان "فك الارتباط التنظيمي" عن الجماعة الأم، مدعياً أنه حزب يمني محلي. لكن الواقع السياسي يثبت أن التنظيم ليس سوى "هيكل إداري"، بينما الفكر هو "المحرك والبوصلة".
إن الانفكاك التنظيمي قد يكون مناورة تكتيكية لتجاوز عاصفة سياسية، لكنه لا يغير من جوهر الجماعة شيئاً ما دام "المنهل الثقافي" و"الأدبيات الحركية" مستمدة من مدرسة "سيد قطب" و"حسن البنا".
ثانياً: خطورة الارتباط الفكري (ما قبل الدولة)
تتجلى مشكلة الارتباط الفكري في عدة نقاط جوهرية تجعل الحزب في صدام مستمر مع مفهوم "الدولة المدنية":
عقيدة "أستاذية العالم": يؤمن الفكر الإخواني بأن الجماعة هي "الطليعة" التي يجب أن تقود المجتمع والعالم، وهذا يولد شعوراً بالاستعلاء الإيماني والسياسي، مما يجعل الحزب يرى في شركاء الوطن مجرد "أتباع" أو "خصوم" يجب احتواؤهم.
الولاء الأممي مقابل الهوية الوطنية: الفكر الإخواني يجعل "الجماعة" هي الوطن الأول. في هذا النسق الفكري، تصبح مصلحة التنظيم الدولي ومشاريع "الخلافة" الموهومة مقدمة على مصالح اليمن الاستراتيجية، مما يجعل القرار السياسي للحزب رهيناً لأجندات عابرة للحدود.
الثنائية الحدّية (الفسطاطين): يقوم الفكر الإخواني على تقسيم المجتمع إلى (حق وباطل)، وهو ما ينعكس في خطاب "الإصلاح" عبر تخوين المعارضين أو إخراجهم من دائرة الوطنية والدين، مما ينسف أسس التعايش الديمقراطي.
ثالثاً: اليمن في مخيال "الإصلاح" الفكري
بالنسبة لحزب الإصلاح، اليمن ليست غاية في حد ذاتها، بل هي "ساحة تمكين". هذا الفكر هو الذي جعل الحزب يمارس سياسة "الاختراق الناعم" لمؤسسات الدولة (الجيش، التعليم، القضاء) منذ عقود.
فالارتباط الفكري يملي عليهم أن الدولة وسيلة لخدمة "الفكرة الإخوانية"، وليس العكس. ومن هنا نجد أن الحزب مستعد للتضحية باستقرار البلاد أو الدخول في تحالفات مشبوهة إذا كان ذلك يخدم بقاء "التنظيم" وتمدد "الفكر".
رابعاً: هل يمكن "يمننة" الإصلاح؟
إن المعضلة الحقيقية هي أن "اليمننة" تتطلب قطيعة معرفية وفكرية مع أدبيات الإخوان، وهي خطوة لم يجرؤ الحزب على اتخاذها. فالمراجعة الحقيقية ليست في تغيير الوجوه القيادية أو الشعارات الانتخابية، بل في التبرؤ من فكر "الشمولية الإخوانية" التي لا تؤمن بحدود الدولة الوطنية ولا بسيادة القانون فوق إرادة المرشد أو المرشدين المستترين.
خاتمة: سقوط القناع الفكري
إن التاريخ السياسي المعاصر أثبت أن الأفكار أشد فتكاً من التنظيمات؛ فالتنظيم قد يحل بقرار قانوني، لكن الفكر يتغلغل كالسوس في جسد الأوطان.
مشكلتنا مع "الإصلاح" هي في ذلك "الحبل السري الفكري" الذي يربطه بمشروع يرى في اليمن مجرد ولاية أو غنيمة، وفي دماء اليمنيين وقوداً لمعاركه الأيديولوجية الكبرى. ولن يستقيم حال السياسة في اليمن ما لم يتحرر العمل الحزبي من قيود "الفكر الإخواني" الذي لا يرى وطناً إلا حيث تمتد سطوة الجماعة.
الوطن هو البداية والنهاية، ومن جعل فكره عابراً للحدود، فلا مكان له في قيادة دفة الأوطان.