اليمن رهينة الفوضى .. جماعات تتغذى على غياب الدولة
منذ سقوط النظام في اليمن وانفرط عقد الدولة، دخلت البلاد مرحلة قاسية من الفوضى والعبث، دفع خلالها اليمن أرضًا وإنسانًا ثمنًا باهظًا. فبدلًا من أن تنفتح أبواب الاستقرار وبناء الدولة، تصدرت المشهد جماعات وأحزاب متطرفة قادت البلاد إلى دوامة من الصراعات العبثية والحروب الطائفية والنزاعات التخريبية التي أنهكت الوطن وأرهقت شعبه.
وفي ظل هذا الواقع المضطرب، تعرض ما تبقى من النظام الجمهوري لضربات متتالية، حيث جرى التفريط بسيادة الدولة وتفكيك مؤسساتها، حتى أصبحت البلاد ساحة مفتوحة للفوضى والصراع على النفوذ والمصالح. ولم يكن المواطن اليمني سوى الضحية الأولى لهذا العبث الذي طال كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لقد لعبت الجماعات والتنظيمات المتطرفة، التي تتستر بالدين وتستخدمه كغطاء لتحقيق مصالحها وأهدافها الخاصة، دورًا محورياً في تعميق الأزمة. فهي في ممارساتها وسلوكها تخالف جوهر تعاليم الدين وقيمه السمحة، ولا تلتزم بالنظام أو بالقانون، بل جعلت من الفوضى وسيلة للبقاء ومن الصراع طريقًا للهيمنة.
ومنذ لحظة إسقاط النظام وحتى اليوم، ارتكبت هذه القوى أبشع الجرائم بحق الوطن والشعب، فزرعت النزاعات بين أبناء المجتمع الواحد، وغذت الخلافات، وصعدت الصراعات، وأشعلت الحروب التي مزقت البلاد وأدخلتها في نفق مظلم.
ولم تتوقف ممارساتها عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل اغتصاب السلطة، وتمزيق وحدة الوطن، وتدمير الاقتصاد الوطني، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ونهب الثروات العامة، وسلب الممتلكات الخاصة، وفرض الإتاوات على المواطنين، والتجارة بدمائهم ومعاناتهم. ولم تسلم الخدمات الأساسية ولا الأمن والاستقرار من هذا العبث، إذ تحولت حياة المواطنين إلى معاناة يومية تحت وطأة الاعتداءات والاعتقالات والقمع والكبت والإذلال.
وفي المقابل، تعيش القيادات العليا لهذه الأحزاب والجماعات التخريبية حالة من الترف والثراء، مستفيدة من ثروة وموارد الوطن المنهوبة، بينما تُمنح القيادات الوسطية المناصب المدنية والإدارية والعسكرية والدبلوماسية، وتُخصص لقواعدها المساعدات الإنسانية والغذائية لضمان ولائها واستمرار نفوذها.
إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن هذه القوى لا تستطيع الاستمرار في مشروعها التخريبي في ظل وجود دولة قوية يسودها النظام والقانون والعدل والحرية والمساواة. فقيام دولة حقيقية يعني نهاية الفوضى التي تتغذى عليها هذه الجماعات، ونهاية الامتيازات التي راكمتها على حساب الوطن والشعب.
ولهذا السبب تحديدًا، تعمل تلك القوى بكل ما أوتيت من أدوات على عرقلة عودة الدولة ومؤسساتها، وتدعم استمرار الفوضى وتغذي الانقسامات والصراعات، لأنها تدرك أن بقاء حالة العبث هو الضمان الوحيد لاستمرار نفوذها وتحقيق مصالحها الخاصة.
إن إنقاذ اليمن من هذا الواقع المأساوي يتطلب وعياً وطنياً جامعاً وإرادة صلبة لاستعادة الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لمشاريع الفوضى والتطرف، وبناء وطن يسوده النظام والقانون ويحفظ كرامة الإنسان ويصون وحدة المجتمع. فاليمن لا يمكن أن ينهض إلا بدولة عادلة قوية، تُغلق أبواب العبث وتفتح آفاق المستقبل أمام شعبها.