اليمن بين نيران الصراع الإقليمي وخيارات الحوثيين المصيرية
في ظل الأوضاع العسكرية المتفجرة التي تشهدها المنطقة، والحرب الكارثية والتدميرية الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتكشف ملامح مرحلة شديدة الخطورة تهدد استقرار الشرق الأوسط برمته. فبعد مرور ما يقارب عشرين يوماً على تصاعد المواجهات، وما رافقها من سقوط قيادات إيرانية سياسية وعسكرية وتدمير واسع للمنشآت العسكرية، تبدو طهران في سباق محموم لتخفيف الضغط عنها عبر توسيع رقعة الصراع وجرّ أطراف إقليمية جديدة إلى ساحة المعركة.
وفي هذا السياق، تسعى القيادة الإيرانية إلى دفع أذرعها في المنطقة للمشاركة المباشرة في الحرب، أملاً في تحويل مسار المواجهة وتخفيف وطأة الضربات التي تتعرض لها. وقد برزت مؤشرات هذا التوجه في لبنان والعراق، حيث تصاعدت التحركات العسكرية للفصائل المرتبطة بطهران، بينما تترقب إيران موقف المليشيا الحوثية في اليمن باعتبارها إحدى أبرز أدواتها الإقليمية.
غير أن أي انخراط حوثي في هذا الصراع سيضع اليمن في قلب عاصفة نارية مدمرة، ويحوّل البلاد إلى هدف مباشر للضربات الجوية والصاروخية، في وقت يعاني فيه اليمنيون أصلاً من أزمات إنسانية واقتصادية خانقة. فالمشاركة في حرب خاسرة لن تخفف الضغط عن إيران، بل ستضاعف معاناة الشعب اليمني، وتؤدي إلى تدمير ما تبقى من البنية التحتية والمنشآت الحيوية، وتهدد حياة آلاف المدنيين الأبرياء.
كما أن استجابة المليشيا الحوثية للتوجيهات الإيرانية والانخراط في هذه الحرب سيجلب عليها عواقب كارثية وتخريبية جسيمة، تبدأ بتعرض مواقعها ومراكز قياداتها لضربات نوعية قد تُفقدها قدرتها على الاستمرار عسكرياً، وتمتد إلى فقدان ما تبقى لها من حاضنة اجتماعية نتيجة اتساع دائرة الدمار والمعاناة. ولن تقف التداعيات عند حدود الخسائر الميدانية، بل ستصل إلى عزلها سياسياً وتجريدها من أي فرص مستقبلية للمشاركة في تسوية وطنية شاملة.
إن المصلحة الوطنية تفرض على المليشيا الحوثية إعادة قراءة المشهد بواقعية ومسؤولية، واستيعاب العواقب الوخيمة لأي قرار بالانخراط في هذا الصراع. فالتبعية السياسية والعسكرية للخارج لن تجلب سوى مزيد من الخراب، ولن تسهم في تحقيق أي مكاسب حقيقية على الأرض.
وعليه، فإن الخيار الأكثر حكمة يتمثل في البحث عن طوق نجاة وطني، يبدأ بالتحرر من الالتزام الأعمى بالأوامر الإيرانية، والعودة إلى مسار الحوار الداخلي، والانفتاح على المبادرات السياسية التي من شأنها إنهاء حالة الصراع المستمرة منذ سنوات. ويأتي في مقدمة هذه الخطوات الإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين، ورفع الظلم عن المظلومين، وتهيئة الأجواء لبناء الثقة مع الحكومة الشرعية وبقية القوى الوطنية.
كما يتطلب الأمر التحول من منطق السلاح إلى منطق العمل السياسي، عبر تحويل الجماعة إلى حزب مدني يلتزم بالدستور والقوانين والقرارات الدولية، ويسهم في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ويدعم مسار السلام والتنمية.
إن اليمن يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإما أن تُغلّب لغة العقل والحكمة وتُمنح البلاد فرصة جديدة للنجاة، أو يُستمر في رهانات خاسرة تقود إلى مزيد من الدمار والانهيار. وفي ظل هذه اللحظة المصيرية، يبقى الخيار بيد من يمتلك القرار: إما الانحياز للوطن ومستقبله، أو المضي نحو مصير مجهول قد يحمل في طياته الهلاك المؤكد.