الأزمة اليمنية .. حرب بلا أفق ونهاية مؤجلة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تشهد دول العالم، على مرّ التاريخ، صراعاتٍ وأزماتٍ متعددة، بعضها داخلي بين مكوناتها السياسية والاجتماعية، وأخرى خارجية مع دولٍ مجاورة، وغالباً ما تتطور تلك الخلافات إلى حروب تُخلّف أزماتٍ عميقة في مختلف المجالات. ومع ذلك، فإن أغلب تلك الصراعات، مهما بلغت حدتها، تظل محكومة بإطارٍ زمني ينتهي عنده النزاع، سواء عبر تسويات سياسية أو حسم عسكري.

غير أن الحالة اليمنية تبدو استثناءً صارخاً لهذه القاعدة؛ إذ تحولت الأزمة إلى مشهدٍ مفتوحٍ على كافة الاحتمالات، دون ملامح واضحة لنهاية قريبة. فمنذ اندلاعها، أخذت تتعقد تدريجياً، وتتداخل فيها العوامل المحلية مع الإقليمية والدولية، ما جعلها أكثر تشابكاً واستعصاءً على الحل.

وفي الوقت الذي شهدت فيه دولٌ عديدة انتهاء أزماتها، أو على الأقل انتقالها إلى مراحل أكثر استقراراً، كما حدث في مصر وتونس، أو حتى في دولٍ مزقتها الحروب كالعراق وسوريا وغزة، نجد أن الأزمة اليمنية لا تزال تراوح مكانها، بل وتزداد تعقيداً مع مرور الوقت، وكأنها تسير في اتجاهٍ معاكسٍ لمسار الحلول.

إن طول أمد الأزمة اليمنية لا يمكن تفسيره بعاملٍ واحد، بل هو نتاج تداخل معقد بين عوامل داخلية تتمثل في الانقسامات السياسية الحادة، وغياب مشروع وطني جامع، واستمرار النزاعات المسلحة، إلى جانب عوامل خارجية تتجلى في تعدد الأطراف المتدخلة وتباين أجنداتها، ما يجعل من اليمن ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

كما أن غياب الإرادة الحقيقية للحسم، سواء عبر المسار السلمي أو العسكري، أسهم في إطالة أمد الأزمة. فالمسارات السياسية لم تنجح في تحقيق اختراقٍ حقيقي، بينما ظل الخيار العسكري غير قادر على فرض واقعٍ نهائي، لتبقى البلاد عالقة بين حربٍ لا تُحسم وسلامٍ لا يكتمل.

والمؤسف أن هذه الأزمة الممتدة لم تقتصر آثارها على الجانب السياسي والعسكري فحسب، بل انعكست بشكلٍ كارثي على الوضع الإنساني والاقتصادي، حيث يعاني ملايين اليمنيين من ظروفٍ معيشية قاسية، في ظل تدهور الخدمات الأساسية وانهيار مؤسسات الدولة.

إن استمرار الأزمة اليمنية بهذا الشكل يطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول طبيعة هذه الحرب، وما إذا كانت هناك أطراف تستفيد من بقائها واستمرارها، سواء في الداخل أو الخارج، وهو ما يعزز الانطباع بأن نهاية هذه الأزمة ليست رهينة الظروف فحسب، بل ترتبط أيضاً بحساباتٍ ومصالح معقدة.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الأمل معقوداً على بروز إرادة وطنية صادقة، تضع مصلحة اليمن فوق كل الاعتبارات، وتعمل على إنهاء هذه المعاناة الممتدة، عبر مشروع وطني جامع يعيد للدولة حضورها، وللمجتمع استقراره، وينهي واحدة من أطول الأزمات وأكثرها تعقيداً في المنطقة.

فاليمن، رغم كل ما يمر به، لا يزال يمتلك مقومات النهوض، لكن ذلك يظل مرهوناً بقدرة أبنائه على كسر دائرة الصراع، والانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن الفوضى إلى الاستقرار.