شبكات الاستغلال الحوثية .. جريمة تتجاوز الحرب إلى تدمير الإنسان والمجتمع
لم تكتفِ مليشيا الحوثي الانقلابية بما أحدثته من دمارٍ ممنهج طال الوطن ومؤسساته وأمنه واستقراره، ولا بما ارتكبته من انتهاكات جسيمة بحق أبناء الشعب من قتل وقمع واستبداد وإذلال وتهجير وتشريد، بل مضت إلى مرحلة أكثر خطورة تمس بنية المجتمع وكرامة الإنسان في عمقها.
ففي ظل الانهيار الاقتصادي والمعيشي الحاد الذي تعيشه مناطق سيطرتها، أنشأت المليشيا شبكات منظمة لاستغلال الأوضاع الإنسانية الصعبة وتحويل معاناة الناس إلى أدوات للابتزاز والسيطرة. حيث امتدت هذه الشبكات لتطال مختلف فئات المجتمع، مستهدفة البنوك والصرافين والتجار وأصحاب الأسواق والعقارات والمراكز التجارية، في إطار منظومة ممنهجة لفرض الإتاوات ونهب الموارد وتقييد النشاط الاقتصادي.
كما لم تسلم الفئات الأضعف من هذا الاستغلال، إذ تعرض الموظفون والموظفات الذين يعانون من انقطاع مرتباتهم لابتزاز مباشر، فيما وجدت الأسر الفقيرة نفسها رهينة لضغوط اقتصادية واجتماعية قاسية تستغلها تلك الشبكات لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طال المعارضين والمعتقلين والمرضى والمسافرين، في مشهد يعكس غياب الحد الأدنى من القيم الإنسانية.
وتُعد أخطر هذه الشبكات تلك التي تعمل في الخفاء، مستفيدة من التدهور الاقتصادي والإنساني غير المسبوق، حيث دفعت الظروف آلاف الأسر إلى ما دون خط الفقر، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام عمليات الاستدراج والاستغلال للفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة، ولا سيما الفتيات القاصرات والأطفال، عبر وعود زائفة بالعمل أو المساعدات المالية، قبل جرّهم إلى ممارسات غير قانونية أو أنشطة مشبوهة.
إن هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي والقيم الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع، وتُعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وكرامة الفرد، فضلاً عن كونها جريمة مركبة تتجاوز حدود الصراع السياسي والعسكري لتطال الإنسان في أمنه وحقوقه ومستقبله.
وأمام هذا الواقع المؤلم، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك وطني وإنساني جاد لكشف هذه الانتهاكات ومواجهتها، وحماية الفئات الضعيفة من الوقوع ضحية لدوائر الاستغلال والابتزاز، بما يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية ويصون كرامة المجتمع ويحفظ ما تبقى من مقومات الاستقرار.
إن استمرار هذه السياسات والممارسات الإجرامية لن يؤدي إلا إلى تعميق معاناة الشعب وتوسيع دائرة الانهيار، الأمر الذي يستدعي موقفاً حازماً يضع حداً لهذا العبث المنظم بحق الإنسان والوطن.
فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة سلاح وأرض، بل معركة كرامة وهوية وإنسانية، تتطلب وعياً مجتمعياً وتكاتفاً وطنياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل الأجيال القادمة.