دماء الشهداء وحدة لا تتجزأ
تظل رعاية أسر الشهداء في أي مجتمع المقياس الحقيقي لمدى التزام الدولة والمؤسسات بقيم الوفاء والعدالة. فدماء الشهداء البررة لا يمكن أن تخضع لـ«الفرز والانتقاء» أو «المزاجية»، كما لا ينبغي لـ«المكرمات» أن تتحول إلى بطاقات دعوة شخصية تُمنح للبعض وتُحجب عن الآخرين، وكأنها كروت دعوات لوليمة زواج.
نقول هذا بعد أن تابعنا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي الإعلان عن «المكرمة» السعودية الموجهة لأسر شهداء «الحراك» في حضرموت. ورغم أن هذه اللفتة الإنسانية في جوهرها طيبة، إلا أن مقتضيات الإنصاف والعمل المؤسسي تفرض علينا وقفة تأمل حول معايير «الاستحقاق» وشمولية الرعاية.
إن التكريم يجب أن ينبثق من وحدة الدم والمصير؛ فإذا كان المواطن الذي سقط برصاص طائش يستحق اللفتة والرعاية – وهو حق قانوني وأخلاقي لا جدال فيه – فإن الكوادر العسكرية والأمنية من أبناء حضرموت الذين واجهوا آلة الإرهاب وتصدوا لمخططاته الخبيثة هم أجدر بذلك. فمن الناحية القانونية والوطنية، لا يمكن تصنيف الشهادة وفق المفاضلة أو التصنيفات الفئوية؛ فهؤلاء المدنيون السلميون الذين طالتهم رصاصات الموت وهم في طريقهم أو في مركباتهم أو منازلهم، وأولئك الضباط والأفراد الأفذاذ الذين غدرت بهم عصابات الإرهاب، دماؤهم واحدة لا تتجزأ. لذا فإن حصر «المكرمات» في قطاع معين دون شمول الأبطال من منتسبي المؤسسات العسكرية والأمنية الذين طالتهم يد الغدر يخلق هوة في الشعور بالعدالة والمواطنة المتساوية.
إننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتحرير ملف الشهداء من أي اعتبارات إجرائية أو تصنيفات ضيقة، وإرساء منظومة عدالة موحدة لرعاية أسرهم، تستند إلى عدم استثناء أي فئة قدمت روحها من أجل الوطن، خاصة الكوادر الأمنية التي كانت وما زالت هدفًا مباشرًا لقوى التطرف والإرهاب. ويجب ضمان وصول المساعدات والمنح لكل من فقد معيله، سواء كان مدنيًا أم عسكريًا.
إن الأمل معقود على عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الأستاذ سالم الخنبشي، والأشقاء في الجانب السعودي الداعم، ليمتد هذا الاستحقاق ليشمل أسر شهداء المؤسسة الأمنية في حضرموت الذين طالتهم عمليات الغدر والاغتيال الآثمة؛ تأكيدًا على أن الوطن لا ينسى من ذادوا عنه في أحلك الظروف، وتحقيقًا لمبدأ المساواة الذي هو عماد الدين والشرع والقانون والقيم الإنسانية.