من يهتف لإيران ومن يدفع الثمن؟
في كل مرة تشتعل فيها الأحداث، لا تتأخر جيوش الشعارات عن الظهور، تملأ الفضاء ضجيجًا، وتبيع الوهم على أنه نصر. سيخرجون إلى مواقع التواصل يهتفون، يكبرون، ويعلنون أن إيران انتصرت، وأنها وحدها من دافعت عن المقدسات، وأن خصومها انتهوا وأصبحوا في خبر كان. لكن خلف هذا الصخب، هناك حقيقة أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة.
المشكلة هنا ليست في الهتاف، بل في تغييب العقل. فالتاريخ القريب يعلمنا أن ما يُعرض على السطح ليس دائمًا هو الحقيقة، وأن ما يُطبخ في الغرف المغلقة غالبًا ما يكون هو الفاصل الحقيقي في مسار الأحداث. الصراعات الكبرى لا تُحسم بالشعارات، بل بالخطط طويلة المدى، وإعادة تشكيل موازين القوى، وضرب مراكز التأثير بهدوء وعمق.
ما يحدث اليوم ليس مجرد "نصر" كما يُروَّج له، أو سوف يُروَّج له بعد أي اتفاق إن تم، بل هو جزء من لعبة معقدة تُدار بعناية: إضعاف الخصوم، استنزاف القيادات، وإعادة تشكيل مراكز القرار، وكلها أدوات تُستخدم لإعادة رسم المشهد، لا لإنهائه. وحين يتم استهداف القيادات أو تفريغ المؤسسات من قوتها، فهذه ليست علامات انتصار، بل إشارات على مرحلة انتقالية تُفرض فيها شروط جديدة.
لكن المشكلة الأكبر أن البعض لا يريد أن يرى إلا ما يُقال له. يعيش على وقع الخطاب العاطفي، ويكتفي بالشعور بالنشوة اللحظية، دون أن يسأل: ماذا بعد؟ من المستفيد الحقيقي؟ وما الذي تغير على الأرض؟
القضية هنا ليست دفاعًا عن طرف أو هجومًا على آخر، بل دعوة لفهم أعمق. فالأمم لا تقوم بالتصفيق، ولا تنتصر بترديد الشعارات. الوعي هو السلاح الحقيقي، والقدرة على قراءة ما وراء الأحداث هي الفارق بين من يُقاد ومن يقود.
أما أولئك الذين يرهقون عقول الناس بالشعارات، فهم لا يدركون أنهم يساهمون في تضليل الوعي، ويعيدون إنتاج الدائرة ذاتها: ضجيج في العلن، وصفقات في الخفاء، وشعوب تدفع الثمن.