بيان بلا اسم ولا زمان… حكاية حوثية تُطلب فيها الثقة ويغيب الدليل
في خبرٍ لا يستحق كل هذا الضجيج، خرج الحوثيون ببيان قالوا فيه إنهم حققوا "إنجازاً أمنياً مهماً". قرأت البيان مرة، ثم أعدت قراءته، فلم أجد إنجازاً ولا أمناً ولا حتى بياناً بالمعنى المعروف للكلمة، بل كلاماً إنشائياً يصلح لكل شيء ولا يثبت شيئاً.
أول ما يلفت القارئ أن البيان لم يصدر كما جرت العادة. لا متحدث رسمي، ولا مسؤول أمني معروف، بل صوت مجهول، كأن من كتب النص خشي أن يضع اسمه عليه. وفي العمل العام، عندما يختبئ الاسم، تغيب الثقة. هذه قاعدة قديمة لا تحتاج إلى شرح.
ثم نأتي إلى المضمون، وهو الأهم، أو يفترض أن يكون كذلك. غير أن البيان خلا من أبسط قواعد أي إعلان أمني: لا زمان، ولا مكان، ولا تفاصيل. لم نعرف متى حصلت العملية، ولا أين، ولا كيف. كأن المطلوب من القارئ أن يصدق، بلا دليل، وأن يصفق، بلا فهم.
العبارة المركزية في البيان كانت "القبض على عدد من العناصر". عدد من؟ ومن هم؟ مدنيون أم عسكريون؟ موظفون أم عابرون؟ لا جواب. وعندما يغيب التحديد، يحضر الشك. وعندما يُستبدل الوضوح بالعموميات، يصبح الاتهام أقرب إلى أداة منه إلى حقيقة.
أما التهمة الجاهزة فهي "التجسس". كلمة كبيرة تُقال بسهولة، لكن لا دليل يسندها. لا حديث عن أضرار، ولا عن وقائع، ولا عن شيء يمكن التحقق منه. مجرد رواية بلا شهود، وحكم بلا محاكمة، واتهام بلا بينة.
في رأيي، وهذا رأي أتحمل مسؤوليته، أن مثل هذه البيانات لا تُكتب لإبلاغ الناس، بل لإشغالهم. هي محاولة لصناعة قصة في وقت لا توجد فيه قصة، أو للتغطية على واقع أكثر تعقيداً. وعندما تكثر القصص، وتقل الحقائق، يعرف القارئ أن هناك مشكلة.
الخلاصة أن البيان، بدل أن يثبت قوة، كشف ضعفاً. وبدل أن يقدم إنجازاً، قدم مثالاً جديداً على خطاب مرتبك، يطلب التصديق ولا يقدم سبباً له. والقارئ، في النهاية، ليس مضطراً أن يصدق كل ما يُقال، خصوصاً عندما لا يُقال فيه شيء.