الحوثي وسلاح الجوع: لقمة أطفال اليمن ثمن للولاء
ليس أخطر على أي مجتمع من الحرب حين تتحول من صراع على الأرض إلى صراع على لقمة العيش. فالحروب، مهما اشتدت قسوتها، تظل محدودة بحدود الجبهات والسلاح، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يُستخدم الجوع كسلاح سياسي، وعندما تتحول بطون الأطفال الخاوية إلى أداة ضغط لإجبار الناس على خيارات لم يختاروها بإرادتهم.
في اليمن اليوم تتجلى صورة مؤلمة من هذا النوع من الحروب الخفية. حرب لا تُخاض بالمدافع والصواريخ فقط، بل تُخاض أيضاً عبر سياسات تترك الأب عاجزاً عن إطعام أطفاله، وتدفعه دفعاً نحو خيارات قسرية، حيث يصبح الراتب المرتبط بالانضمام إلى المليشيا هو طريق النجاة الوحيد.
هذه ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، ولا هي نتيجة طبيعية لحرب طويلة فحسب، بل هي – في كثير من جوانبها – ممارسة ممنهجة تقوم على استغلال الحاجة الإنسانية وتحويلها إلى وسيلة تجنيد وإخضاع.
حين يُحرم الأب من وسيلة إطعام أطفاله، لا يعود القرار قراراً سياسياً أو أيديولوجياً. يصبح قرار بقاء. يصبح خياراً بين أن يرى أطفاله جائعين، أو أن يضع اسمه في قائمة المنتسبين إلى قوة مسلحة لا يؤمن بها بالضرورة، لكنه مضطر إليها لأنه ببساطة يريد أن يعيش.
هنا تتحول المأساة من أزمة إنسانية إلى جريمة أخلاقية وسياسية.
إن فكرة التجويع العنصري – أي استهداف فئات من المجتمع عبر حرمانها من مصادر العيش – لا تمثل فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، بل هي أيضاً ضربة عميقة للنسيج الاجتماعي الذي ظل عبر قرون يقوم على قيم المساواة والتكافل بين اليمنيين.
المجتمع اليمني، رغم فقره التاريخي، كان دائماً مجتمعاً متماسكاً. في القرية والمدينة كان الناس يتقاسمون القليل الذي لديهم. كان الجار يطرق باب جاره لا ليسأله عن انتمائه السياسي، بل ليسأله إن كان قد أكل.
اليوم يُراد لهذا النسيج أن يتمزق.
حين يتحول الراتب إلى وسيلة ابتزاز، وحين يصبح الجوع أداة لتحديد الانتماء، فإن المجتمع لا يخسر فقط استقراره الاقتصادي، بل يخسر أيضاً قيمه الأخلاقية التي تشكل أساس وجوده.
والأخطر من ذلك أن هذه السياسات لا تنتج فقط جوعاً، بل تنتج أيضاً انقساماً عميقاً داخل المجتمع. فهي تدفع الناس إلى الاصطفاف القسري، لا على أساس القناعة، بل على أساس الحاجة.
وبذلك يتحول الفقر إلى وقود للصراع.
إن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الحرب العسكرية. إنه استهداف مباشر لكرامة الإنسان في أبسط حقوقه: حقه في لقمة العيش. فكرامة الإنسان لا تبدأ بالسياسة ولا تنتهي بالشعارات، بل تبدأ بالقدرة على إطعام أطفاله دون أن يضطر إلى بيع قناعاته أو كرامته.
عندما يُجبر الأب على الاختيار بين الجوع والولاء القسري، فإن المجتمع بأكمله يكون قد دخل منطقة خطيرة، منطقة تختلط فيها الحاجة بالإكراه، ويصبح فيها الجوع وسيلة لإعادة تشكيل الولاءات والسلطة.
وهذه ليست مجرد مأساة إنسانية، بل مشروع خطير يهدد بتدمير الهوية اليمنية نفسها.
فالهوية اليمنية التي تشكلت عبر التاريخ قامت على فكرة أساسية: أن اليمني يختلف مع أخيه اليمني في السياسة، لكنه لا يسلبه حقه في الحياة.
أما اليوم فالمعادلة تُقلب رأساً على عقب.
بدلاً من أن تكون الدولة أو السلطة حامية للمجتمع، تصبح – في بعض الممارسات – جزءاً من منظومة الضغط التي تدفع الناس إلى خيارات قسرية. وبدلاً من أن يكون الراتب حقاً مقابل العمل، يتحول إلى مكافأة على الولاء.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
لأن المجتمع الذي يُبنى على الخوف والجوع لا يمكن أن يستقر. والمجتمع الذي تُشترى فيه الولاءات باللقمة لن يعرف السلام حتى لو توقفت الحرب.
إن تحويل الجوع إلى خيار وحيد للانتماء ليس مجرد سياسة قصيرة النظر، بل هو تدمير بطيء لمستقبل البلاد. فهو يزرع في نفوس الأجيال القادمة شعوراً عميقاً بالظلم، ويخلق طبقات من الغضب الاجتماعي قد تنفجر في أي لحظة.
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر طويلاً على الإهانة.
واليمنيون، الذين صمدوا عبر قرون من الصعوبات والحروب، لا يمكن أن يقبلوا أن تتحول لقمة أطفالهم إلى أداة سياسية أو ورقة مساومة.
إن الجريمة هنا ليست فقط في حرمان الناس من الرواتب أو مصادر العيش، بل في محاولة تحويل هذا الحرمان إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع وفق معادلة قاسية: الجوع مقابل الولاء.
وهذه معادلة لا يمكن أن تنتج دولة، ولا يمكن أن تبني سلاماً.
بل تنتج فقط مجتمعاً جريحاً، تتراكم فيه المرارات، ويكبر فيه جيل يشعر أن كرامته قد بيعت بثمن رغيف.
إن إنقاذ اليمن لا يبدأ فقط بوقف الحرب، بل بوقف استخدام الجوع كسلاح. يبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن لقمة الإنسان ليست أداة سياسة، وأن كرامة الأب الذي يريد إطعام أطفاله يجب أن تكون فوق كل الحسابات.
فالأوطان لا تُبنى بالجوع، ولا تُحمى بابتزاز الفقراء.
والتاريخ، كما يقول دائماً، لا يرحم الذين يساومون على خبز الناس.