اليمن المختطف: كيف حوّل الحوثيون البلاد إلى أداة في حروب إيران

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس أخطر على الأوطان من أن تُنتزع من سياقها الطبيعي وتُدفع قسراً إلى معارك لا تخصها. وهذا تماماً ما يحدث لليمن اليوم؛ بلدٌ عريق يُسحب من عمقه العربي، ويُلقى به في قلب صراعات إقليمية معقدة، لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنه أصبح رهينة بيد مليشيا لا ترى في الدولة إلا غنيمة، ولا في الشعب إلا وقوداً.

ما تقوم به مليشيا الحوثي ليس مجرد انحياز سياسي، بل انخراط كامل في مشروع إقليمي تقوده إيران، مشروع يقوم على تفكيك الدول وإعادة تشكيلها وفق مصالحه، حتى لو كان الثمن تدمير المجتمعات وتمزيق الهويات. ومن هنا، فإن مشاركة هذه الجماعة في الصراع الدائر في المنطقة ليست حادثة عابرة، بل حلقة ضمن استراتيجية أوسع لتحويل اليمن إلى منصة متقدمة في صراع لا يخدم اليمنيين بشيء.

اليمن، الذي كان عبر تاريخه جزءاً أصيلاً من منظومته العربية، يُعاد تعريفه اليوم قسراً خارج هذا الإطار. لم يعد القرار يمنياً خالصاً، ولم تعد الأولويات وطنية، بل باتت مرهونة بإملاءات خارجية، تُفرض بالقوة، وتُنفذ بلا اعتبار للكلفة الإنسانية أو السياسية. وهذا هو جوهر الأزمة: اختطاف القرار السيادي، وتحويل الدولة إلى أداة.

ليس من قبيل المبالغة القول إن اليمن يُستخدم اليوم كورقة ضغط في لعبة إقليمية أكبر منه بكثير. فكل تصعيد عسكري، وكل خطاب متشنج، وكل محاولة لفتح جبهات جديدة، لا تعكس مصلحة يمنية، بل تخدم أجندات تريد توسيع رقعة التوتر، واستخدام اليمن كمنصة لإرسال الرسائل، حتى لو كان الثمن مزيداً من الدمار.

في المقابل، يدفع الشعب اليمني الثمن كاملاً. اقتصاد منهك، مؤسسات شبه منهارة، مجتمع يعيش على حافة الانهيار، وأجيال تُحرم من أبسط مقومات الحياة. ومع ذلك، تستمر المليشيا في سياساتها، غير آبهة بهذه الكلفة، لأنها ببساطة لا تتحمل نتائج قراراتها، بل تتركها على كاهل المواطنين.

الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يهدد اليمن وحده، بل يمتد ليطال الأمن العربي بأكمله. فحين تتحول دولة مثل اليمن إلى نقطة ارتكاز لمشروع إقليمي، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، ويقوض أي محاولة لبناء استقرار حقيقي في المنطقة. ولهذا، فإن المسألة لم تعد شأناً داخلياً، بل قضية أمن قومي عربي بامتياز.

إن فكرة “تصدير الأزمات” عبر وكلاء محليين ليست جديدة، لكنها في الحالة اليمنية تأخذ طابعاً أكثر خطورة، لأنها تستند إلى تدمير ممنهج للدولة، وإحلال كيانات مسلحة محلها. وهذا يعني أن إعادة الاستقرار لن تكون سهلة، وأن كلفة المعالجة ستتضاعف كلما طال أمد هذا الوضع.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة بسيطة: اليمن يجب أن يكون لليمنيين، لا ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لمشاريع الآخرين. لا يمكن القبول باستمرار هذا الوضع، ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، لأن نتائجه واضحة: دولة غائبة، وشعب منهك، ومستقبل مُعلق.

حماية اليمن تبدأ باستعادة قراره الوطني، ورفض كل أشكال التبعية، والعمل على إعادة ربطه بمحيطه العربي الطبيعي. كما تتطلب موقفاً حازماً من كل من يسعى إلى جرّه نحو مزيد من التصعيد، لأن الحياد في مثل هذه القضايا لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية.

وفي النهاية، لا يمكن لأي مشروع خارجي أن ينجح إذا وُوجه بإرادة وطنية صلبة. والتاريخ يقول إن الأوطان قد تتعثر، لكنها لا تموت، وإن الشعوب، مهما طال صبرها، تدرك في النهاية من يقاتل من أجلها، ومن يقاتل على حسابها. واليمن، رغم كل ما يمر به، لن يكون استثناءً من هذه القاعدة.