حين يصبر اليمنيون أكثر مما ينبغي… والحوثي أول من سيدفع ثمن الطوفان
يستطيع المرء أن يقول أشياء كثيرة عن اليمن اليوم، إلا شيئاً واحداً لا يستطيع إنكاره: هذا شعب صابر إلى حدٍ يكاد يبدو معه الصبر معجزة يومية. اليمنيون، منذ أكثر من عقد، يعيشون في نفق طويل من الأزمات، ومع ذلك تراهم يتدبرون حياتهم بما تبقى من قوة، ويخلقون من القليل ما يسند أيامهم الثقيلة.
لكن الصبر ليس استسلاماً، والتكيف مع الواقع ليس قبولاً به إلى الأبد.
و لقد اعتاد اليمنيون أن يطووا جراحهم بصمت، وأن يتعايشوا مع واقع فرضته عليهم قوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها مليشيا الحوثي التي اختطفت صنعاء، وحولت الدولة إلى غنيمة، والناس إلى رهائن، والبلد إلى ساحة مفتوحة للجباية والقمع والمغامرات التي لا علاقة لها بمصالح اليمنيين ولا بمستقبلهم.
و قد يبدو المشهد هادئاً من بعيد، لكن هذا الهدوء ليس أكثر من هدوء ما قبل العاصفة.
فالشعوب، مهما صبرت، لا تفقد ذاكرتها. والشعوب، مهما احتملت، لا تموت فيها الرغبة في استعادة حياتها وكرامتها. واليمنيون تحديداً شعب لا ينسى، ولا يقبل أن يُحكم بالعصا إلى الأبد.
لقد فرض الحوثيون على اليمنيين واقعاً ثقيلاً: اقتصاد منهك، دولة غائبة، مؤسسات مخطوفة، وسلطة لا ترى في الناس سوى خزائن للجباية أو أصواتاً يجب إسكاتها. ومن يتأمل حياة الناس في صنعاء وبقية المناطق الواقعة تحت سيطرة هذه المليشيا، يدرك سريعاً أن ما يجري ليس حكماً، بل إدارة للأزمة على حساب المجتمع.
والأسوأ من ذلك أن الحوثي لم يكتفِ بخنق الحاضر، بل حاول مصادرة المستقبل أيضاً، عبر خطاب طائفي، ومشروع سياسي مغلق، وسلطة لا تؤمن بالدولة بقدر ما تؤمن بالغلبة.
غير أن التاريخ يعلمنا درساً بسيطاً: لا أحد يحكم شعباً إلى الأبد بالقوة وحدها.
اليمنيون قد يصبرون، بل قد يبالغون في الصبر، لكنهم في لحظة ما يتحولون إلى قوة هائلة لا يمكن لأحد أن يوقفها. وحين تتحرك الشعوب، فإنها لا تسأل كثيراً عن التفاصيل الصغيرة، بل تكتسح الطريق أمامها وتعيد ترتيب المشهد كله.
ومن يقرأ تاريخ اليمن يعرف أن هذا البلد لا يستقر طويلاً على الظلم.
قد يظن الحوثيون أن سيطرتهم على صنعاء تعني أن الزمن يعمل لصالحهم، وقد يتخيلون أن الخوف أو الفقر أو التعب قد كسر إرادة اليمنيين. لكن مثل هذه الأوهام سمعناها كثيراً في التاريخ، وكانت نهاياتها دائماً متشابهة.
فالواقع الذي يبدو ثابتاً اليوم قد يتحول غداً إلى سراب.
واليأس الذي يراه البعض في وجوه الناس ليس استسلاماً، بل مرحلة من مراحل الغضب الصامت. وحين ينفجر هذا الغضب، فلن يكون في مصلحة من صنعوا هذا الواقع أن يقفوا في طريقه.
اليمنيون لا يبحثون عن المعجزات، بل عن دولة طبيعية، وعدالة بسيطة، وحياة لا يحكمها السلاح ولا المليشيات. وهذه المطالب، مهما طال الزمن، لا تسقط بالتقادم.
قد يطول الليل في اليمن، لكنه لن يكون أبدياً.
وحين ينهض هذا الشعب، كما نهض مرات كثيرة في تاريخه، سيدرك الذين ظنوا أن البلاد أصبحت ملكاً لهم أن اليمن أكبر من المليشيات، وأبقى من مشاريع القوة، وأعند من كل محاولات إخضاعه.
أما أولئك الذين بنوا سلطتهم على الخوف، فسيكتشفون متأخرين أن الخوف نفسه قد ينقلب عليهم.