حضرموت.. في مواجهة «تغوّل» المركزية
لم تكن الكلمات التي أطلقها الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، خلال اجتماعه اليوم بمدينة المكلا، مجرد تصريحات إعلامية تهدف لكسب ود الرأي العام، بل كانت بمثابة «بيان استحقاق» يضع النقاط على الحروف في لحظة تاريخية، وقراءة سياسية وقانونية شجاعة لواقع «مأزوم» يعكس حجم المعاناة الشديدة من هيمنة السلطة المركزية، في رسالة حازمة مفادها أن زمن الصمت على «التهميش» يجب أن يولّي بلا رجعة.
من الناحية القانونية، تبدو المفارقة مؤلمة؛ فحضرموت التي ترفد الموازنة العامة للدولة بنسبة تتجاوز 70% من الثروات النفطية وإيرادات المنافذ السيادية (البرية والبحرية والجوية)، لا تزال تصطدم بـ«جدار المركزية» الصلب. هذا الجدار لا يحجب عن أبنائها ثمار ثرواتهم فحسب، بل يحرمهم من أبسط الحقوق التنموية والخدمية المشروعة. وهناك ملفات متفاقمة تحتاج إلى معالجات، ومنها قضية المعلمين والقطاعات الأخرى، والإيفاء بمتطلبات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء.
وأعتقد أن حديث «الخنبشي» عن «إرث المعاناة» هو توصيف دقيق لواقع مثقل بالالتزامات الخدمية والحقوقية، تقابلها مماطلة صريحة من قوى مركزية تأبى الاعتراف بخصوصية حضرموت أو منحها حصتها العادلة، وكأن هناك إصرارًا على إبقاء حضرموت في دور «الممول الصامت» المسلوب الإرادة.
تُثبت تجارب العقود الماضية حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، وهي أن حقوق حضرموت لا تُمنح هبة، بل تُنتزع استحقاقًا. وقد ساد ارتياح ملحوظ في الأوساط الشعبية بارتقاء الخطاب اليوم من المطالبة بنسبة الـ20% كحق أدنى، إلى طموح بنيل كامل الحقوق والقرار. فالتلويح بـ«إيقاف توريد الإيرادات» قد يفسره البعض تمردًا بمعناه الضيق، لكنه في جوهره «دفاع شرعي» عن بقاء المجتمع ومصالحه الحيوية. فمن الإجحاف الصارخ أن تُستنزف ثروات الأرض، بينما يُواجه أبناؤها بالصد والتمنّع عند مطالبتهم بأبسط الحقوق، وعلى رأسها حق الحضارم في بناء قوة عسكرية وأمنية حقيقية من أبناء جلدتهم قادرة على حماية مكتسباتهم.
إن استرداد الحقوق في هذه المرحلة يتطلب تجاوز لغة «المناشدة»، والانتقال نحو إجراءات عملية وقوية تُجبر الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، ويتمثل ذلك في مسارين متلازمين: وحدة الصف الحضرمي وتلاحم السلطة والمجتمع بكافة مكوناته، وتفعيل أدوات الضغط عبر وضع اليد على الموارد لضمان عودة العوائد إلى مجاريها الصحيحة.
ولهذا فإن رسالة الأستاذ «الخنبشي» لا بد أن يستوعبها صُنّاع القرار في هرم السلطة المركزية، ويدركوا أن «الصبر الحضرمي» الذي عُرف باتزانه وحكمته قد شارف على النفاد. وأن حضرموت ليست «رقمًا» في معادلة الجباية، بل هي شريك فاعل وأساسي في قيام الدولة، وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى تحطيم قيود المركزية وبناء واقع جديد تفرضه إرادة الأرض والإنسان.