عِمْران .. يوم سقطت الدولة بخنجر الخيانة وصمت المتآمرين

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليست كل الهزائم تُقاس بعدد القتلى والعتاد، فبعضها يُقاس بعمق الخيانة التي تُرتكب في الظل، وبالصفقات التي تُحاك خلف الأبواب المغلقة، وبذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الانهيار كأنّه إعلان غير مكتوب لنهاية الدولة. وما تكشفه الشهادات الأخيرة حول سقوط عمران ليس مجرد رواية جديدة تُضاف إلى الأرشيف، بل إدانة تاريخية صريحة لمرحلة سوداء جرى فيها تفكيك الدولة من الداخل وتسليم مفاتيحها لمن لا يستحقها، في لحظة بدا فيها الوطن كأنه يُسلَّم قطعة قطعة دون طلقة واحدة حاسمة.

وفي هذا السياق، تبرز شهادة جديدة لأحد المقربين من حزب «الإصلاح» الذراع السياسية لإخوان اليمن،عمر القشيبي، نجل قائد اللواء 310 مدرع، بوصفها وثيقة لا تترك مجالاً للرمادية أو التأويل.
الشهادة كشفت عن دور حزب الإصلاح في سقوط عمران، بوابة صنعاء الشمالية، بقبضة مليشيا الحوثي عام 2014.
نحن أمام وقائع تقطر خيانة لا اجتهادات سياسية، وأمام تفاصيل تُعيد تعريف معنى السقوط نفسه. عمران لم تسقط لأنها أضعف عسكرياً، بل لأنها طُعنت من الخلف في لحظة كانت فيها تحتاج إلى سند لا إلى خنجر. أربعة أشهر من الصمود انتهت بانسحابات مريبة، وحياد أقرب إلى التواطؤ، واتفاقات مظلمة مُهّد بها الطريق لمليشيا لم تكن لتحلم بدخول المدينة لولا أن الأبواب فُتحت لها من الداخل على مصاريعها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: أي حياد هذا الذي يُسلِّم المدن؟ وأي منطق سياسي ذلك الذي يترك الجنود في الميدان بلا ذخيرة ولا غطاء؟ عندما يستغيث قائد عسكري محاصر طالباً بضع مئات من البنادق، فيُقابل بطائرات ورقية بدل السلاح، فإننا لا نكون أمام خطأ إداري، بل أمام مهزلة مكتملة الأركان، مهزلة لا تليق بدولة، بل بمنظومة تتقن إدارة الانهيار وتفكيك الجبهة الداخلية ببرود شديد.

والأخطر من ذلك أن ما جرى لم يكن لحظة عابرة أو قراراً ارتجالياً، بل كان جزءاً من سياق طويل من التخاذل الممنهج. قيادات سياسية وعسكرية اختارت، بوعي أو بلا وعي، أن تدير ظهرها للمعركة، وأن تفضّل حساباتها الضيقة على حساب الدولة التي يفترض أنها تمثلها. انسحابات من مواقع استراتيجية، تعطيل للتوجيهات، وتقديم أجندات خاصة على مشروع الوطن… كلها تفاصيل تراكمت بصمت حتى صنعت لحظة الانهيار الكبير، وكأن السقوط لم يكن حدثاً مفاجئاً بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفكيك الداخلي.

ثم تأتي شهادات أخرى، وعلى رأسها حديث عوض بن فريد العولقي، لتعيد ترتيب المشهد من زاوية أكثر اتساعاً ومرارة،و تاكيده غضب الزعيم الشهيد على عبدالله صالح جراء سقوط عمران وتخاذل قيادة الدولة و اقتراب الحوثيين من صنعاء لكنها تلتقي مع الخلاصة ذاتها: ما حدث لم يكن مؤامرة خارجية فقط، بل نتيجة اختلالات داخلية عميقة، وصراعات، وتواطؤات، وصمت طويل فتح الباب واسعاً أمام الفوضى. وهكذا، فإن الروايات التي سادت لسنوات لم تعد قادرة على الصمود أمام سيل الحقائق الذي يتكشف تباعاً، وكأن الذاكرة الجماعية تُجبر اليوم على مواجهة ما تم دفنه عمداً.

والمفارقة القاسية أن من استثمروا لاحقاً في خطاب المظلومية، هم أنفسهم الذين كانوا جزءاً من مشهد السقوط، إما بالفعل أو بالصمت أو بالتبرير. فقد استُخدمت دماء القشيبي وقصة اللواء 310 كوقود إعلامي في معارك لاحقة، بينما الحقيقة كانت تُدفن ببطء، أو تُحرّف بما يكفي لإبقاء الصورة مشوشة، أو تُؤجل حتى إشعار آخر لا يأتي.

وبناءً على ذلك، فإن عمران لم تكن مجرد محافظة في الجغرافيا، بل كانت بوابة استراتيجية لمعادلة الدولة. وعندما سقطت، لم تسقط وحدها، بل تهاوت معها هيبة الدولة، وبدأت بعدها المدن تتساقط تباعاً كأحجار دومينو ثقيلة. وما نعيشه اليوم من أزمات ممتدة ليس إلا امتداداً مباشراً لتلك اللحظة التي غابت فيها المسؤولية، وحضرت فيها الخيانة بكل وضوحها الفج.

وفي نهاية المشهد، يبقى التاريخ هو الشاهد الوحيد الذي لا يُراوغ. فهو لا ينسى، حتى وإن تأخر في النطق بالحكم. والوقائع التي تتكشف اليوم ليست مادة للجدل أو المزايدة، بل مادة للمحاسبة وإعادة كتابة الوعي العام. فالدول لا تُبنى على الأكاذيب، ولا تستقيم فوق ذاكرة مثقوبة، ولا تنهض فوق إنكار الحقيقة.

لذلك، فإن استعادة الحقيقة ليست ترفاً فكرياً ولا خياراً سياسياً ثانوياً، بل شرطٌ أول لأي محاولة حقيقية للإنقاذ. لقد آن الأوان أن تُقال الأمور بأسمائها دون مواربة: ما حدث في عمران لم يكن مجرد هزيمة… بل كان تسليماً كاملاً من قبل قيادات الدولة في حينه. والتسليم، في عرف الأوطان، جريمة لا يسقطها الزمن ولا يُغلقها النسيان.