اليمن .. حين يُختطف الوطن وتُترك الشعوب لقدرها

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يعد ما يحدث في اليمن مجرد خبر عابر في نشراتٍ باردة، ولا أزمة يمكن احتواؤها ببعض التصريحات المكررة؛ نحن أمام وطنٍ يُذبح على مهل، أمام شعبٍ يُسحب من تحت قدميه كل ما تبقى من معنى للحياة، ويُترك عاريًا في مواجهة القسوة، بلا دولة تحميه، ولا عالم يلتفت لوجعه. هنا، لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فقط، لكنها تقاس بكمّ الخذلان المتراكم، وباتساع الفجوة بين الإنسان وحقه في أن يعيش بكرامة.

وفي هذا المشهد الثقيل، لم نعد كشعب منكوب نسأل ماذا يحدث في اليمن؟

 ولكن إلى أي قاعٍ يمكن أن ينحدر هذا الألم؟

 وكيف تحوّل وطن بأكمله إلى ساحة مفتوحة تُدار فيها الحروب بالوكالة، بينما يُدفع شعبه أثمانا باهظة لا تنتهي؟

 هي في الحقيقة  لحظة انكشاف قاسية، تتعرى فيها الحقائق، ويسقط فيها كل ادعاء، ولا يبقى سوى الحقيقة الأكثر مرارة وهي أن اليمن يُترك لمصيره وحيدًا.

وفي هذا السياق القاتم، يأتي التصعيد الأخير لمليشيا الحوثي (أذناب إيران في اليمن) ودخولها الحرب إلى جانب إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس كتطور سياسي عابر يمكن احتواؤه، بل كمنعطف خطير يدفع البلاد نحو هاوية أعمق، ويُسرّع من وتيرة الانهيار الشامل. فهذه المغامرات لا تعني سوى مزيد من الدمار، ومزيد من الأرواح التي تُزهق، ومزيد من الأعباء التي تُلقى فوق كاهل شعب أنهكته الحروب ولم يعد يحتمل جولة أخرى من العبث.

وعلاوة على ذلك، فإن ربط الساحة اليمنية بصراعات إقليمية ودولية أكبر، يُنذر بتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، حيث تتقاطع المشاريع وتتصادم المصالح على أرضٍ مثقلة أصلًا بالجراح. وهنا، لا يكون اليمن طرفًا في الصراع، بل ضحيةً له، تُدفع أثمانه من دم أبنائه، ومن ما تبقى من مقومات حياته المنهارة.

أما اقتصاديًا، فلم يعد الحديث عن احتمالات الانهيار ذا معنى، لأن الانهيار ذاته أصبح واقعًا يوميًا يُعاش بكل تفاصيله المؤلمة. فالعملة المنهكة تواصل سقوطها بوتيرة مرعبة، والأسعار ترتفع بلا رحمة، كأنها تسابق أنفاس الفقراء، فيما تتآكل دخول المواطنين حتى أصبحت عاجزة عن سدّ الرمق. وهنا، 

لم يعد السؤال: كيف نعيش بشكل أفضل؟

 بل كيف يمكن أن نبقى على قيد الحياة في ظل هذا الانحدار المخيف الذي لا يبدو أن له نهاية.

وفي المقابل، وعلى المستوى السياسي، لم تعد مأساة اليمن في غياب السلطة، بل في حضورها المشوَّه والمربك؛ حيث تتعدد السلطات بدل أن تتوحد، وتتنازع بدل أن تتكامل، وتغرق في صراعات النفوذ بدل أن تنشغل ببناء الدولة. وبهذا، لا يصبح الفراغ هو المشكلة، بل الفوضى التي ترتدي قناع السلطة، فتفقد الدولة معناها، وتتحول إلى عبء ثقيل يضاف إلى معاناة المواطن بدل أن يكون ملاذه.

ومن بين كل هذا الركام، يقف اليمني الحقيقي؛ منهكًا حتى العظم، غاضبًا حتى الصمت، وصامتًا حد الاختناق. لم تعد تعنيه الشعارات الرنانة، ولا بيانات النصر المعلبة، لأن واقعه اليومي أكثر قسوة من أن تُخفيه الكلمات. مزاج الشارع واضح ومكشوف: تعب لا يُحتمل، سخط يتصاعد في الصدور، وانكفاء كامل على همّ البقاء. لقد تراجعت السياسة من أولويات الناس، لأن الجوع، ببساطة، لا يفاوض.

وفي ظل هذا المشهد، يظل الخوف سيد الحاضر والمستقبل؛ خوف ثقيل يتسلل إلى كل بيت، ويُقيم في صدور الناس بلا استئذان. خوف من الغد، من المجهول، من استمرار هذا الانهيار بلا قاع. وليس هذا الخوف شعورًا عابرًا، بل إحساس جمعي بأن ما هو قادم قد يكون أكثر قسوة، وأكثر وجعًا مما مضى.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يتجاهلها الجميع واضحة كالشمس: اليمنيون لا يطلبون المستحيل. لا يبحثون عن انتصارات كبرى، ولا عن مشاريع نفوذ تتصارع فوق أجسادهم. كل ما يريدونه هو ما يبدو اليوم أبعد من الخيال: دولة تحميهم، واستقرار يحتضنهم، وحياة عادية تعيد لهم ما سُلب منهم من كرامة وإنسانية. لكن، وفي يمنٍ تُصادره الصراعات، أصبح أبسط الحقوق، أعقد القضايا، وأثقلها كلفة.