حين يصبح الراتب جريمة .. الحوثي وقمع صوت المعلم الجائع

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يعد القمع في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية استثناءً عابرًا، بل تحوّل إلى قاعدة صلبة تُدار بها حياة الناس، وتُقاس بها مساحة أنفاسهم اليومية. فحين يصبح أبسط الحقوق تهمة، فإن مطالبتك اليوم براتبك تعني أنك تضع نفسك طوعًا في مرمى الاعتقال، وحين ترفع صوتك كمعلم، لا تُسمع كصاحب حق، بل تُصنّف كخصم يجب قمعه وإسكاته بلا تردد.

وفي هذا السياق القاتم، لم يكن التربويون في حجة وعمران وصنعاء وإب، وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا، يحملون سلاحًا ولا يلوّحون بانقلاب، بل تمسكوا بأبسط ما يمكن أن يقوم عليه أي عقد اجتماعي: أجر مقابل عمل. ومع ذلك، جاء الرد الحوثي قاسيًا ومعدًّا سلفًا: حملات اعتقال، وملاحقات ممنهجة، وترهيب لا يرحم، وكأن المعلم الذي أنهكته سنوات الانقطاع عن راتبه تحوّل فجأة إلى خطر أمني يجب تحييده.

غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن المليشيا التي ترفع شعارات كاذبة باسم “العدالة” و“نصرة المستضعفين”، هي ذاتها التي تخنق المعلم في لقمة عيشه، وتدفعه إلى حافة العجز، ثم تعاقبه لأنه تجرأ واشتكى. أي منطق هذا الذي يجرّم الجوع، ويكافئ القمع، ويحوّل المطالبة بالحق إلى جريمة مكتملة الأركان؟

ومن هنا، يتضح أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تجاوزات عابرة، بل هو نهج متكامل يقوم على خنق المجتمع اقتصاديًا، ثم إحكام السيطرة عليه أمنيًا. فحين يُترك المعلم بلا راتب لسنوات، ثم يُختطف لأنه طالب بحقه، فإن الرسالة تُكتب بوضوح فاضح: الصمت أو السجن. وهذه ليست إدارة دولة، بل إدارة أزمة مفتوحة تُدار على حساب كرامة الناس وحقهم في الحياة.

والأخطر من ذلك، أن هذا القمع لا يستهدف الأفراد بقدر ما يستهدف فكرة المطالبة ذاتها. فالمعلمون ليسوا مجرد موظفين، بل هم خط الدفاع الأول عن الوعي، وحين يُكسر صوتهم، يُفتح الباب واسعًا أمام جيل يُربّى على الخوف بدل المعرفة، وعلى الطاعة بدل التفكير. إنها معركة ضد العقل قبل أن تكون معركة ضد الجوع.

وبالمقابل، تتعامل المليشيا، ببرود قاسٍ، مع هذه الاحتجاجات وكأنها “شغب” عابر يجب احتواؤه، لا كصرخة مجتمع يختنق تحت وطأة الحرمان. فلا حلول حقيقية تُطرح، ولا وعود جادة تُقدّم، بل مزيد من القبضة الأمنية، وكأن المشكلة في الصوت المرتفع، لا في الجرح النازف.

وفي أي مكان آخر من العالم، تُعد رواتب المعلمين خطًا أحمر، لأنها تمس جوهر المجتمع ومستقبله. أما في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، فقد تحولت إلى أداة ابتزاز فجّة، تُصرف متى شاءت المليشيا، وتُمنع متى أرادت إخضاع الناس. وهكذا يُدفع المعلم إلى خيارات قاسية ومهينة: إما الصمت تحت وطأة الجوع، أو المطالبة بحقوقه تحت خطر السجن.

وبناءً على ذلك، فإن استمرار هذا النهج لن يقود إلا إلى تعميق الهوة بين المجتمع والمليشيا، وإلى تآكل ما تبقى من ثقة، إن وُجدت أصلًا. فالقمع قد ينجح في إسكات الأصوات مؤقتًا، لكنه يعجز عن إلغاء حقيقة راسخة: أن الجوع لا يُقمع، وأن الحقوق لا تموت، وأن صوت المعلم، مهما خُنق، سيظل شاهدًا حيًا على زمن اختلطت فيه السلطة بالقهر.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا بثقله الأخلاقي والتاريخي: إلى متى يمكن لسلطة أن تحكم شعبًا بالقوة وحدها، بينما تتركه يواجه الفقر والحرمان؟ قد لا يُجيب التاريخ بسرعة، لكنه حين يفعل، لا يُخطئ أبدًا.