سياسات الإفقار الممنهجة: كيف تدفع مليشيا الحوثي بالموظفين نحو هاوية العوز؟

سياسات الإفقار الممنهجة: كيف تدفع مليشيا الحوثي بالموظفين نحو هاوية العوز؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

في مشهد يعكس حجم العبث بالموارد العامة، باشرت وزارة المالية تنفيذ مراجعة واسعة لكشوفات الموظفين المصنّفين ضمن الفئة “ب”، وهم الذين يتلقون نصف راتب شهرياً، تمهيداً لخفض أوضاع نحو 30% منهم إلى الفئة “ج”، وهي فئة تفتقر لأي انتظام في صرف المستحقات. هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل ترجمت سريعاً إلى واقع مؤلم تمثل في توقّف مرتبات المعلمين خلال فترة الإجازة، في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية على مختلف فئات المجتمع.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الإجراءات تأتي بتوجيه مباشر من اللجنة الاقتصادية التابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيون)، التي تواصل فرض سياسات تقشفية قاسية بذريعة دعم المجهود الحربي وتراجع الإيرادات، بينما يدفع الموظف البسيط الثمن الأكبر.

عمليات “الغربلة” التي تستهدف كشوفات الفئة “ب” تكشف بوضوح نهجاً منظماً لإعادة توزيع الفقر، حيث يجري دفع آلاف الموظفين نحو فئات أدنى دخلاً وأكثر هشاشة. ويؤكد مصدر رفيع أن هذه الإجراءات ليست سوى تنفيذ مباشر لإملاءات اللجنة الاقتصادية العليا للجماعة، دون أي اعتبار للأبعاد الاجتماعية أو الإنسانية.

الأخطر من ذلك، أن توقيف مرتبات المعلمين خلال الإجازة لم يكن سوى نتيجة أولية لهذه السياسات، مع وجود خطط أوسع للتعامل مع من سيتم استبعادهم، تشمل تقليص أعداد العاملين وإجبار البعض على دوام جزئي مقابل دخل متقطع أو شبه منعدم. كما يجري طرح صيغ عمل مجتزأة، مثل نظام الورديات نصف الشهرية، الذي يحوّل الوظيفة العامة إلى عمل مؤقت بلا استقرار.

ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، إذ تشير المعلومات إلى سحب ما يقارب 250 مليون ريال من ميزانيات السلطات التشريعية والقضائية، إضافة إلى إيرادات وحدات اقتصادية مستقلة، وتحويلها إلى حسابات في شركات صرافة، في خطوة تثير تساؤلات خطيرة حول الشفافية وإدارة المال العام.

وفي سياق موازٍ، تتجه وزارة الخدمة المدنية إلى إحالة آلاف الموظفين للتقاعد بشكل مخالف لتوصيات البرلمان، مع إدراجهم في فئة جديدة “د” تمنح ربع راتب كل ثلاثة أشهر فقط، في إجراء يبدو أقرب إلى تصفية وظيفية جماعية منه إلى إصلاح إداري.

هذه السياسات مجتمعة تعكس نهجاً قائماً على تحميل المواطنين أعباء الأزمة، بدلاً من البحث عن حلول اقتصادية حقيقية. وبينما تتحدث الجماعة عن مبررات الحرب والإيرادات، تتآكل حياة آلاف الأسر بصمت، في ظل غياب أي رؤية لإنقاذ الوضع أو حتى تخفيف حدته.