في عيد الديمقراطية اليمنية: الحلم المدني في مواجهة مشروع الولاية والانقسام

في عيد الديمقراطية اليمنية: الحلم المدني في مواجهة مشروع الولاية والانقسام
مشاركة الخبر:

يأتي السابع والعشرون من أبريل كل عام كواحد من أبرز المحطات المفصلية في التاريخ السياسي اليمني الحديث، حيث يمثل هذا اليوم رمزاً لبداية تجربة ديمقراطية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بقيام الوحدة اليمنية عام 1990م، والتي شكلت نقطة تحول جوهرية في مسار الدولة والمجتمع معاً. لم يكن هذا التاريخ مجرد مناسبة عابرة، بل أصبح علامة فارقة في وعي اليمنيين، كونه جسّد لأول مرة انتقالاً حقيقياً نحو التعددية السياسية والاحتكام لصناديق الاقتراع.

انطلقت التجربة الديمقراطية في اليمن على أسس دستورية واضحة، حيث أُجريت أول انتخابات برلمانية في أبريل 1993، لتدشن مرحلة جديدة من المشاركة الشعبية في صناعة القرار. ومع مرور الوقت، تعزز هذا المسار عبر عدة استحقاقات انتخابية، شملت الانتخابات النيابية والرئاسية والمحلية، والتي عكست تطوراً تدريجياً في الممارسة الديمقراطية، رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي رافقت تلك المرحلة.

وقد شكّلت هذه الانتخابات، بتكرارها وانتظامها النسبي، مدرسة سياسية أسهمت في رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، حيث انتقل المجتمع من أنماط الولاء التقليدية الضيقة إلى مفهوم أوسع يقوم على اختيار الممثلين وفق البرامج والرؤى السياسية. هذا التحول لم يكن سهلاً، لكنه عكس رغبة حقيقية لدى اليمنيين في بناء دولة مدنية حديثة تقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

كما ساهمت التجربة الديمقراطية في فتح المجال أمام الأحزاب والتنظيمات السياسية للعمل بشكل علني، مما أوجد بيئة تنافسية أسهمت في إثراء الحياة السياسية. وأصبح المواطن يمتلك حقاً فعلياً في اختيار من يمثله في مختلف مستويات السلطة، بدءاً من المجالس المحلية وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، وهو ما اعتُبر آنذاك إنجازاً مهماً في سياق التحولات السياسية في المنطقة.

غير أن هذا المسار لم يستمر دون انتكاسات. فقد واجهت التجربة الديمقراطية تحديات كبيرة، خاصة مع دخول البلاد في مرحلة من الاضطرابات السياسية التي أثرت على مؤسسات الدولة وأضعفت بنيتها. ومع تصاعد الصراعات الداخلية، شهدت الحياة السياسية تراجعاً ملحوظاً، حيث تعطلت العديد من الآليات الديمقراطية، وتراجعت فرص التوافق الوطني.

وقد أدت الأحداث التي شهدتها اليمن في السنوات الأخيرة إلى تعقيد المشهد بشكل أكبر، حيث دخلت البلاد في حالة من الانقسام والصراع، انعكست بشكل مباشر على مؤسسات الدولة والحياة العامة. وتسببت هذه الأوضاع في إضعاف دور العملية الديمقراطية، وتعطيل العمل بالدستور، ما أدى إلى تراجع المشاركة السياسية وانحسار الحريات ومحاولات فرض فكر ونهج ولاية الفقيه لمليشيا الحوثي الارهابية السلالية 

تتبنّى نهجًا يقوم على معاداة كل من يعارض مشروعها ذي الطابع المغلق الكهنوتي، وتسعى إلى إقصائه باستخدام القوة المسلحة. كما تعمل على التأثير في وعي المجتمع عبر الترويج لأفكار متشددة ومفاهيم تفتقر إلى القبول العقلي والديني، في حين ترفض مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، وتطرح ( الولي الفقيه) تصورًا للحكم قائمًا على اعتباره امتيازًا مقدسًا يجب الخضوع له دون نقاش.

في هذا السياق، يكتسب يوم 27 أبريل أهمية مضاعفة، ليس فقط كذكرى لحدث تاريخي، بل كفرصة للتأمل في مسار التجربة الديمقراطية اليمنية، واستخلاص الدروس منها. فهو يذكّر اليمنيين بمرحلة كان فيها الأمل قائماً في بناء دولة تقوم على الشراكة والتعددية، كما يطرح تساؤلات حول كيفية استعادة ذلك المسار في ظل التحديات الراهنة.

إن استحضار هذه المناسبة يعكس حاجة ملحة لإعادة الاعتبار لقيم الديمقراطية، والعمل على إحياء مؤسسات الدولة على أسس وطنية جامعة، بعيداً عن الصراعات الضيقة والمشاريع التي لا تؤمن بالتعددية. فالديمقراطية، رغم ما واجهته من تعثر، تظل الخيار الأكثر قابلية لتحقيق الاستقرار وبناء مستقبل يليق بتطلعات اليمنيين.

وفي النهاية، يبقى 27 أبريل يوماً يحمل في طياته معاني الأمل والتجربة، ويجسد مرحلة من تاريخ اليمن سعى فيها الشعب إلى رسم ملامح دولة حديثة، قائمة على المشاركة والعدالة، وهو ما يجعل استذكاره اليوم ضرورة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.